الشريف الرضي
30
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
للاحداث والأفعال . وأيضا ، فان الألوان والعيوب أفعالها في الأصل على أكثر من ثلاثة أحرف ، لأنك تقول في الألوان : احمر ، واحمار وابيض ، وابياض - وفي العيوب : أعور ، واعوار ، بالتشديد ، فتبلغ بالزيادة ستة أحرف أو خمسة . ولا يجوز أن يقال : هذا أفعل من هذا ، إلا في ما يجوز أن يتعجب منه فيقال : ما أفعله وأفعل به ، وفعل التعجب إنما يجوز في ما كان ماضيه على ثلاثة أحرف كفعل ، مثل علم ، أو فعل ، مثل قتل ، أو فعل ، مثل ظرف ، فاذن لا يجوز هذا . وكان شيخنا وصديقنا أبو الفتح النحوي يقول : ( أما قولهم عور وحول فالأصل فيه أعور واحول ، لان جميع نظائره كذلك ، ولان العور والحول أدخل في باب الخلقة من الألوان ، وليس يقال في الألوان . حمر ولا سود ، فدل ذلك على أن أصل عور وحول التشديد ، والأصل أولى بهذه الأشياء ) . فإذا لم يجز أن يكون أعمى ههنا من عمى العين على حقيقته لم يخل أن يراد به : ما قلنا من الصدوف به عن رؤية الجنة وثوابها ، فكأنه أعمى عنها على المجاز والاتساع ، أو يكون المراد به عمى القلب من طريق الجهل ، فيصح فيه حينئذ لفظة أفعل ، كما يقال : زيد أجهل من عمرو ، فأما في قراءة من قرأ : ( فهو في الآخرة أعمى ) على أنه اسم لذي العمى ، كما يقال : رجل أعور - من غير أن يكون بمعنى أفعل من غيره - ، فقد يصح فيه أيضا الحمل على المعنيين المذكورين ، كأنه تعالى قال : ومن كان في هذه أعمى عن الثواب فهو في الآخرة أعمى عن الثواب ، أو من كان في هذه أعمى القلب من الجهل فهو في الآخرة أعمى كذلك أيضا .