الشيخ باقر شريف القرشي
396
حياة الإمام الحسين ( ع ) ( ط نجف )
تعبيرا دقيقا عن الموجات النفسية التي كانت تندفع في نفس الشاعر ، وهو في موقفه الضيق الحرج ، فهو قبل كل شئ مصمم على أن يحتفظ بحريته ولو أدى هذا إلى قتله ، وهو يعلن في صراحة وصدق أن الموت شئ منكر ولا يقول هذا كما يقوله غيره ممن يغالطون أنفسهم أن الموت شئ محبب إلى نفسه ، وانما يعبر عن نفسيته تعبيرا صادقا ، فالموت شئ لا يحبه ، ولكنه لا يفر منه ما دام قد صمم على الاحتفاظ بحريته . ثم يحاول أن يهدئ من روعه ، ويجعل هذه الموجة العالية الرهيبة تنحسر عن نفسه دون أن يجذبها في تيارات من الهلع والفزع ، فيحدث عن نفسه بان الدنيا متقلبة ، وكل امرئ فيها لا بد أن يلاقي ما يسوؤه ، وهو يعرض هذا الحديث النفسي في صورة فنية رائعة . وأضاف يقول : انه حريص على الحياة ، ولكنه حريص على الحرية بجعله مترددا لأنه يخشى - بل يخاف - أن يكذب عليه أعداؤه أو يخدعوه فيقتلوه دون محاولة منه لتنفيذ عهده بان يموت في سبيل حريته ، أو يأسروه فيفقد حريته التي يحرص عليها حرصه على الحياة . أرأيت كيف استطاع أن يصور موقفه الضيق الحرج هذا التصوير الفتي الرائع الذي يشمل روعته من تعبيره عن نفسيته تعبيرا صادقا لا رياء فيه ولا تضليل ؟ ان هذا هو السر الذي يجعل هذه الشطور القليلة تؤثر في نفوسنا تأثيرا يجعلنا نشعر بما كان يعانيه قائلها من صراع داخلي هائل لا يعد له الا صراعه الخارجي مع أعدائه " ( 1 ) .
--> ( 1 ) حياة الشعر في الكوفة ( ص 371 - 372 ) .