محمود أبو رية
9
شيخ المضيرة أبو هريرة
ولو أنى أطعت القلم وأطلقت من عنانه ، ليجري إلى مداه الذي يريده ، لزادت صفحات الكتاب على ذلك كثيرا ، ولكني كبحت من جماحه ، ووقفت عند هذا الحد به . ثم رأيت من التدبير أن أفرده في كتاب برأسه ليعم النفع به ، والاستفادة منه ، وإني أقدمه اليوم بعد أن أوفى من التحقيق على الغاية ، وبلغ من الاستقصاء أقصى النهاية ، وأصبح بلا مراء مرآة مجلوة تصور تاريخ هذا الصحابي المعروف تصويرا صادقا من يوم أن قدم على النبي صلى الله عليه وآله وهو بخيبر فقيرا معدما ، إلى أن توفى في قصره المنيف بالعقيق غنيا مثريا . فإذا أنت نظرت في هذه المرآة المصقولة تراءت لك شخصيته واضحة المعالم من جميع جهاتها ، وانكشفت لك حياته في زمن النبي وخلفائه الأربعة ، وماذا كان شأنه بين سائر الصحابة في هذه الفترة ونهى عمر له عن الرواية عن رسول الله وضربه بالدرة من أجل ذلك وإنذاره إياه بالنفي إلى بلاده إذا هو روى ، ثم مصادرته لشطر أمواله لما آنس منه عدم أمانته في ولايته - وما كان بعد ذلك من إمعانه في الرواية بعد أن خلا له الجو بموت كبار الصحابة واختفاء درة عمر التي كانت تباشر ظهره عندما كان يروى - ولكثرة هذه الرواية على قلة زمن صحبته اتهموه في روايته حتى كان بذلك ( أول راوية اتهم في الاسلام ) - ثم تشيعه لنبي أمية بعد أن انتزعوا الحكم اغتصابا ، وعطلوا حكم الشورى في الاسلام ، وأصبحوا ملوكا في الأرض بيدهم الأمر والنهي والرفع والخفض ، فكان من دعاتهم وأوليائهم ، يناصرهم بلسانه ورواياته ، وما ناله لقاء ذلك من نوالهم ورفدهم وأطايب أطعمتهم ، وبخاصة ( المضيرة ) التي كانت من أفخر أطعمة معاوية حتى بلغ من نهمه وحبه لها ، أن لقب بها ، وظل هذا اللقب يلازمه ويعرف به على مد الزمن كما ستراه في كتابنا هذا ولذلك جعلناه عنوانا لهذا الكتاب . ويشهد القارئ في تاريخه غير ذلك قصته العجيبة ذات الفصول الثلاثة الغريبة عندما حطب في حبل معاوية ، وذلك فيما رواه من أحاديث ( بسط الثوب ، والوعاءين ، والمزود ) .