محمود أبو رية

253

شيخ المضيرة أبو هريرة

وبعد ذلك كله نقول إن أبا هريرة قد ناقض نفسه في هذا الحديث ، كعادته في التناقض بين أحاديثه ، وإنا ندع الكلام في ذلك إلى إمام كبير من أئمة أهل السنة ، ومن كبار رجال الحديث ، حتى لا نرمي بالتحامل على أبي هريرة ذلكم هو السيد رشيد رضا رحمه الله . قال رحمه الله : " روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله قال : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء ، وفى الآخر داء ، فهذا الحديث مشكل - وإن كان سنده صحيحا - وكم في الصحيحين من أحاديث اتضح لعلماء الحديث غلط الرواة فيها - كحديث خلق الله التربة يوم السبت مثلا وغيره مما ذكره المحققون ، وكم فيهما من أحاديث لم يأخذ بها الأئمة في مذاهبهم ، فليس ورود هذا الحديث في البخاري دليلا قاطعا على أن النبي صلى الله عليه وآله قاله بلفظه ، مع منافاته للعلم ، وعدم إمكان تأويله ، على أن مضمونه يناقض حديث أبي هريرة ( نفسه ) . وهو أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال : إن كان جامدا فاطرحوه وما حولها وإن كان ذائبا فأريقوه ، أو لا تقربوه . فالذي يقول ذلك لا يبيح أكل الشئ إذا وقع فيه الذباب ! فإن ضرر كل من الذباب والفيران عظيم ( 1 ) " وقد ثبت أن ضرر الذباب أعظم من ضرر الفيران بكثير ، وأنه يحمل ميكروبات لأمراض كثيرة ( 2 ) . وله كلام طويل في حديث الذباب نقتطف منه هذه السطور ، قال رحمه الله : " . . وحديث الذباب غريب عن الرأي وعن التشريع جميعا ، أما التشريع في مثل هذا ، فإن تعلق بالنفع والضرر ، فمن قواعد الشرع العامة ، أن كل

--> ( 1 ) ص 456 ج 18 من مجلة المنار . وحديث الفأرة رواه مالك في الموطأ وكذلك رواه غيره ونصه : أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت ، قال : خذوها وما حولها من السمن فاطرحوه . ( 2 ) من الأمراض التي عرفت بأن الذباب ينقلها : التيفويد والكوليرا والزحار والحمى المعوية والرمد الصديدي . . إلخ .