محمود أبو رية

233

شيخ المضيرة أبو هريرة

بسر بأهل المدينة ما لم يفعله جبار من قبل - وقد كان كما وصفوه قاسي القلب فظا سفاكا للدماء لا رأفة عنده ولا رحمة - فروع أهلها وأنزل بهم من ألوان العذاب ما تقشعر منه النفوس ، وتنخلع القلوب ، من تقتيل وتنكيل وتحريق وهتك للحرمات ، ولم يجد فيها مرحبا به ، ولا معينا له ، ولا راضيا عن جرائمه سوى أبي هريرة . الذي كان غاليا في مناصرة معاوية ، وبعد أن أخرس الناس الرعب واستسلموا مرغمين ، نادى فيهم وقال : " قد استخلفت عليكم ( أبا هريرة ) ، فإياكم وخلافه " . ولم يزل أبو هريرة قائما بولايته يصلى بالناس حتى قدم المدينة جارية بن قدامة السعدي من قبل أمير المؤمنين على في ألفي فارس ، فلم يكد أبو هريرة يسمع بقدومه حتى ولى هاربا من وجه جارية ، فقال جارية فيه كلمته المشهورة المحفوظة : " لو وجدت أبا سنور لقتلته " ( أي أبا هريرة ) ولم يكد يخلو له الجو ويتسق الامر لمعاوية بعد قتل الامام حتى عاد أبو هريرة فتولى أمر المدينة . ولا ريب في أن الذي قذف الرعب في قلب أبي هريرة حتى لاذ بالفرار - تاركا صلاته وصلاة من معه - إنما هو الخوف والجزع من بطش جارية - أن يؤاخذه بما اقترف من الاثم مع بسر بن أرطاة عندما أغار على المدينة ، فيفتك به ويجعله مثلا لغيره - ذلك بأن أبا هريرة كان وحده من بين أهلها جميعا الذي تشيع له ، ورحب به ، ومشى في ركابه وناصره عندما أخذ البيعة لمعاوية بقهره وجبروته . ومن أجل ذلك كله خصه جارية - دون سواه من أهل المدينة - بتهديده ، وأنه لو وجده لقتله ، ولم يفعل جارية مثل ذلك مع أحد من أهل المدينة قاطبة غيره ( 1 ) . وتولية أبي هريرة للمدينة من قبل معاوية لولائه له ( وعلى حي ) أمر نص عليه جميع المؤرخين ( 2 ) ولهذه التولية ولا ريب معنى لا يخفى على اللبيب .

--> ( 1 ) راجع ابن الأثير في حوادث سنة 40 ه‍ عند ذكر سير بسر إلى الحجاز واليمن ص 373 ج 3 طبعة ليدن لترى كلمة جارية هذه . ( 2 ) راجع تاريخ الذهبي الكبير ص 334 ج 2 .