محمود أبو رية

180

شيخ المضيرة أبو هريرة

فوقف معاوية زعيم الفئة الباغية من على ، موقف أبي سفيان من النبي ، وجاء يزيد فوقف من الحسين موقف جده من النبي وموقف أبيه من علي رضي الله عنه ، وصدق قول الشاعر الذي سقناه لك من قبل وقد كان أول عمل لمعاوية بعد أن استولى على الحكم أن كتب إلى عماله في جميع الآفاق بأن يلعنوا عليا في صلواتهم وعلى منابرهم ( 1 ) ولم يقف الامر عند ذلك بل كانت مجالس الوعاظ في الشام تختم بشتم على ( ص 407 ج 3 ابن عساكر ) وأن لا يجيزوا لاحد من شيعته وأهل بيته شهادة وأن يمحوا من الديوان كل من يظهر حبه لعلى وأولاده وأن يسقطوا عطاءهم ورزقهم . هذه فذلكة وجيزة بينا فيها كيف نشأت دولة بنى أمية ، والذي بعثنا عليها أنها ( أولا ) تكشف عن سياسة هذه الدولة التي قلبت نظام الحكم من خلافة عادلة أساسها الشورى إلى ملك عضوض يقوم على الاستبداد . وفى عهدها تحول تيار التاريخ الاسلامي عن مجراه المستقيم وانحرف هاهنا وهاهنا ، يسير على غير هدى ( 2 ) ( وثانيا ) لولا قيامها على ما قامت عليه ، ما كان أبو هريرة الذي نؤرخ له ، ولا كانت أحاديثه التي شرقت بها الكتب ، ولبقي مطمورا لا يعرفه أحد ، ولا يعنى به إنسان ! فهي التي رفعته من الضعة والخمول ، وخلعت عليه رداء الشهرة والظهور ، وكان له بفضلها ذكر في التاريخ الاسلامي عند كثير من الناس أي ذكر .

--> ( 1 ) ظلت هذه العادة الذميمة الملعونة حتى أبطلها الإمام العادل عمر بن عبد العزيز الذي تولى من سنة 99 إلى 101 ه‍ وقتل بالسم لأنه لم يحكم حكما أمويا ، بل حكمه إسلاميا . هذه الموبقة الفظيعة التي لا يرخصها ماء البحر والتي لا تفتأ تلبب معاوية بإثمها الكبير في حياته وبعد مماته إلى يوم الدين قال عنها الأستاذ العقاد : وإذا لم يرجح من أخبار هذه القترة إلا الخبر الراجح عن لعن " على " على المنابر بأمر معاوية لكان فيه الكفاية لاثبات ما عداه مما يتم به الترجيح بين كفتي الميزان ( ص 16 من كتاب معاوية بن أبي سفيان في الميزان ) . ( 2 ) قال الربيع بن يونس : سمعت المنصور يقول : الخلفاء أربعة ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ، والملوك أربعة ، معاوية وعبد الملك وهشام وأنا ( ص 33 ج 2 النجوم الزاهرة ) . ومن خطبة لعبد الملك بن مروان : إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف ( يعنى عثمان ) ولا أنا بالخليفة المداهن ( يعنى معاوية ) ولا الخليفة المأبون ( يعنى يزيد بن معاوية ) .