محمود أبو رية

162

شيخ المضيرة أبو هريرة

قال الجاحظ وهو يتحدث عن أمر قتل عثمان وما جره على المسلمين من بلايا ومحن : " ثم ما زالت الفتن متصلة ، والحروب مترادفة ، كحرب الجمل وكوقائع صفين ، وكيوم النهروان . إلى أن قتل أشقاها علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فأسعده الله بالشهادة وأوجب لقاتله النار واللعنة إلى أن كان اعتزال الحسن عليه السلام الحروب وتخلية الأمور ، عند انتشار أصحابه وما رأى من الخلل في عسكره ، وما عرف من اختلافهم على أبيه ، وكثرة تلونهم عليه ، فعندها استوى معاوية على الملك ، واستبد على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه عام الجماعة ! وما كان عام جماعة ! بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة ! والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويا ، والخلافة غصبا قيصريا . ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا ، وعلى منازل ما رتبنا ، حتى رد قضية رسول الله ردا مكشوفا وجحد حكمه جحدا ظاهرا ، في ولد الفراش وما يجب للعاهر ، مع اجتماع الأمة أن سمية لم تكن لأبي سفيان فراشا ، وأنه إنما كان بها عاهرا ، فخرج بذلك من الفجار إلى حكم الكفار ( 1 ) . وليس قتل حجر بن عدي ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر وبيعة يزيد الخليع ( 2 ) والاستئثار بالفئ ، واختيار الولاة على الهوى ، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جحد الاحكام المنصوصة ، والشرائع المشهورة ، والسنن المنصوبة ، وسواء في باب ما يستحق من الكفار جحد الكتاب ورد السنة ، إذا كانت السنة في شهرة الكتاب وظهوره ، إلا أن أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليه أشد . فهذه أول كفرة كانت من الأمة . ثم لم تكن إلا فيمن يدعى إمامتها والخلافة عليها ، على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره ، وقد أربت عليهم نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا ، فقالت لا تسبوه فإن له صحبة ، وسب معاوية بدعة ، ومن يبغضه فقد خالف السنة ! ! فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة .

--> ( 1 ) يشير إلى استلحاق معاوية لزياد وجعله ابنا لأبي سفيان . ( 2 ) وصفوا يزيد هذا بأوصاف كثيرة شنيعة أتينا على بعضها عند الكلام عنه .