الفيض الكاشاني
159
قرة العيون في أعز الفنون ( كنگره فيض ) ( فارسى )
وهذا الحديث النبويّ الّذي رواه الصّادق ( ع ) « 1 » مع استفاضته بين أهل الإسلام ومطابقته للقرآن وموافقته للوجدان نصّ في تثليث الأحكام ، وبه يكاد يرتفع الخلاف بين الفقهاء ويحصل الخلاص عمّا نهينا عنه من القول بالرّأي والاجتهاد ، وما لا يجوز عليه الاعتماد لإبهامنا ما أبهم الله وسكوتنا عمّا عنه سكت الله ، وكما أنّ تارك الشبهات ليس كالهالك من حيث لا يعلم فكذلك الهالك من حيث لا يعلم ليس كالهالك من حيث يعلم . فالنّاس ثلاث فرق مترتّبين ، ولمّا كان ذلك كذلك وارتفع الحاجة إلى القطع في جميع الأحكام وصحّ القول « لا أدري » الّذي هو نصف العلم صحّ النهي عن التّديّن بما لا يعلم بالبرهان وعن القول بالرّأي من غير استيقان - كما ورد في أخبار كثيرة - سواء تعلّق بالاعتقاد أو العمل ، لأنّ التّشابه في المتشابه محكم ما لم يصل إلينا تأويله من أهله ، وكذا الشبهة في المشتبه . فالجاهل بما لا سبيل له إلى القطع فيه معذور وباعترافه بالجهل مأمور ، ليس له أن يجتهد رأيه ويعمل به ، ولا أن يقلّده فيه غيره ويثق به ، بل يحتاط فيما لم يرد فيه نصّ يعتمد عليه ، ويتخيّر فيما اختلفت الرّواية فيه « 2 » ، كما ورد عنهم ، « 3 » فكلّ ما نضطرّ إلى العلم به فلنا طريق إلى العلم به ، وكلّ ما لا طريق إلى العلم به فلا نضطرّ إلى العلم به ، ولله على ذلك . قال أمير المؤمنين ( ع ) : « إنّ الله حدّ حدوداً فلا تعتدّوها ، وفرض فرائض فلاتنقضوها ، وسكت عن أشياء لميسكت عنها نسياناً لها ، فلا تتكلّفوها رحمةً من الله لكم فاقبلوها » . « 4 » وقال ( ع ) في ذمّ اختلاف الفتيا : « تَرِدُ على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام ، فيحكم فيها برأيه ، ثمّ تَرِدُ ذلك القضيّة بعينها على غيره ، فيحكم فيها بخلاف قوله ؛ ثمّ يجتمع القضاة
--> ( 1 ) - لم أجد نقل الرواية عن الصادق . ( 2 ) - في ب : واختلفتِ الروايات . ( 3 ) - الكافي : 1 / 68 ، كتاب العقل والجهل ، باب اختلاف الحديث ، ح 10 . ( 4 ) - من لا يحضره الفقيه : 4 / 75 ، باب نوادر الحدود ، ح 5149 ؛ عوالي اللئالي : 3 / 548 ، باب الحدود ، ح 15 .