أبو نصر الفارابي

84

احصاء العلوم

الجاهلية ، ويحصي معها أصناف الأفعال التي بها تضبط المدن والرئاسات الفاضلة أن تفسد وتستحيل إلى غير الفاضلة « 1 » . ويحصي أيضا وجوه التدابير والحيل ، والأشياء التي سبيلها أن تستعمل إذا استحالت إلى الجاهلية حتى ترد إلى ما كانت عليها ، ثم يبين بكم شيء تلتئم المهنة الملكية الفاضلة ، وأن منها العلوم النظرية والعملية ، وأن يضاف إليها القوة الحاصلة عن التجربة الكائنة بطول مزاولة الأفعال في المدن والأمم ، وهي القدرة على جودة استنباط الشرائط التي تقدر بها الأفعال والسير والملكات ، بحسب جمع جمع ، أو مدينة مدينة ، أو أمة أمة ، وبحسب حال حال ، وعارض عارض . ويبين أن المدينة الفاضلة إنما تدوم فاضلة ولا تستحيل ، متى كان ملوكها يتوالون في الأزمان على شرائط واحدة بأعيانها حتى يكون الثاني الذي يخلف المتقدم ، على الأحوال والشرائط التي كان عليها المتقدم ، وأن يكون توليهم من غير انقطاع ولا انفصال ؛ ويعرف كيف ينبغي أن يعمل حتى لا يدخل توالي الملوك انقطاع ، ويبين أي الشرائط والأحوال الطبيعية ينبغي أن تتفقد في أولاد الملوك وفي غيرهم ، حتى يؤهل بها من يوجد منه الملك بعد الذي هو اليوم ملك ، ويبين كيف ينبغي أن ينشأ من وجدت فيه تلك الشرائط الطبيعية ، وبما ذا ينبغي أن يؤدب ، حتى

--> ( 1 ) يبحث علم السياسة المدنية في آراء أهل المدينة الفاضلة ، وآراء أهل المدن المضادة وأنواعها . وقد أسهب الفارابي في الكلام عليها في كتابيه : « آراء أهل المدينة الفاضلة » و « كتاب السياسة المدنية » .