أبو نصر الفارابي

85

احصاء العلوم

يحصل له المهنة الملكية ، ويصير ملكا تاما . ويبين مع ذلك أن الذين رئاستهم جاهلية لا ينبغي أن يكونوا ملوكا ، وأنهم لا يحتاجون في شيء من أحوالهم وأعمالهم وتدابيرهم إلى الفلسفة لا النظرية ولا العملية ، بل يمكن كل واحد منهم أن يصير إلى غرضه في المدينة والأمة التي تحت رئاسته بالقوة التجربية التي تحصل له بمزاولة جنس الأفعال التي ينال بها مقصوده ، ويصل إلى غرضه من الخيرات متى اتفقت له قوة قريحة جبلية جيدة : لاستنباط ما يحتاج إليه في الأفعال التي ينال بها الخير الذي هو مقصوده ، من لذة أو كرامة أو غير ذلك ، وانضاف إلى ذلك جودة الائتساء بمن نقدم في الملوك الذين كان مقصدهم مقصده . علم الفقه وصناعة الفقه « 1 » - هي التي بها يقتدر الإنسان على أن يستنبط تقدير شيء مما لم يصرح واضع الشريعة بتحديده على الأشياء التي صرح فيها بالتحديد والتقدير ، وأن يتحرى تصحيح ذلك حسب

--> ( 1 ) صناعة الفقه : علم الفقه . وكلمة صناعة كانت تستعمل بمعنى العلم والفن . وكلمة الفقه تعني المعرفة . وقد أطلقت على العلم الذي يتناول فروع الدين والمعاملات بين الناس ، والبحث في الصلاة والحج والزكاة والصوم والإرث والزواج والطلاق وسائر العقود . . . الخ . وقد حدده ابن خلدون على الشكل التالي : « الفقه معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والجذر والندب والكراهة والإباحة . وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة ، فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها فقه . . . » .