أبو نصر الفارابي

70

احصاء العلوم

أحدهما - منزلته منه منزلة حدة السيف من السيف ، وهو صيغة ذلك الجسم الطبيعي . والثاني - منزلته منزلة حديد السيف من السيف وذلك مادة الجسم الطبيعي وموضوعه ، وهو كالحامل لصيغته أيضا ؛ إلا أن السيف والسرير والثوب وغيرها من الأجسام الصناعية يشاهد بالبصر والحس وصيغتها وموادها مثل حدة السيف وحديده وتربيع السرير وخشبه . فأما الأجسام الطبيعية فصيغ جلها ، وموادها غير محسوسة ، وإنما يصح وجودها عندنا بالقياس والبراهين اليقينية « 1 » . على أنه قد يوجد أيضا في كثير من الأجسام الصناعية ما ليست صيغتها محسوسة ، مثل الخمر : فإنه جسم أوجد بالصناعة ، والقوة التي بها يسكر غير محسوسة ، وإنما يعرف وجودها بفعلها ، وتلك القوة هي صورة الخمر وصيغتها ، ومنزلتها من الخمر منزلة الحدة من السيف ، إذ كانت تلك القوة هي التي بها تفعل الخمر فعلها . وكذلك الأدوية المركبة بصناعة الطب مثل الدرياق وغيره ، فإنها إنما تفعل في الأبدان بقوى تجذب فيها بالتركيب ، وتلك القوى غير محسوسة ، وإنما يشاهد بالحس الأفعال الكائنة عن تلك القوى . فكل دواء إنما يصير دواء بشيئين :

--> ( 1 ) الفرق بين الأجسام الطبيعية والأجسام الصناعية هو أن علل الأولى غير محسوسة بينما علل الأخيرة محسوسة . وهو يعني بمحسوسة ظاهرة أو معروفة . وربما كان بسبب ذلك أن ما نصنعه نحن نعرف ممّا صنعناه ، ولما ذا صنعناه ، ومن صنعه ، والهيئة التي أعطيناه إياها . أما الأجسام الطبيعية فلا نعرف بما صنعت ، والغاية من صنعها ، والعلة التي صنعتها .