أبو نصر الفارابي
71
احصاء العلوم
بالأخلاط التي منها ركب ، وبالقوة التي بها يفعل فعله : والأخلاط مادته ، والقوة التي بها يفعل فعله صيغته . ولو بطلت تلك القوة منه لما كان دواء ، كما تبطل حدة السيف فلا يكون سيفا ، وكما يبطل من الثوب التحام سداه بلحمته فلا يكون حينئذ ثوبا . فعلى هذا المثال ينبغي أن تفهم صيغ الأجسام الطبيعية . وموادها فإنها وإن كانت لا تشاهد بالحس صارت كالمواد . والصيغ التي لا تشاهد بالحس من مواد الأجسام الصناعية وصيغها وذلك مثل جسم العين والقوة التي بها يكون الابصار ، ومثل قوة جسم اليد والقوة التي بها يكون البطش . وكذلك كل واحد من الأعضاء ، فإن قوة العين غير مرئية . ولا يشاهد أيضا شيء من هذه القوى الأخر بل إنما يعقل عقلا وتسمى القوى الأخر التي في الأجسام الطبيعية صيغا وصورا على طريق التشبيه بصور الأجسام الطبيعية . فإن الصيغة والصورة والخلقة يراد أن تكون أسماء مترادفة تدل عند الجمهور على أشكال الأجسام الصناعية ، فنقلت فجعلت أسماء للقوى والأشياء التي منزلتها في الأجسام الطبيعية منزلة الخلق والصيغ والصور في الأجسام الصناعية على طريق التشبيه ، إذ كانت العادة في الصنائع أن تنقل الأشياء التي فيها الأسماء التي يوقعها الجمهور على أشباه تلك الأشياء « 1 » . ومواد الأجسام وصورها
--> ( 1 ) يعكس الفارابي طريقة إيجاد ألفاظ اللغة أو تكونها . فألفاظ اللغة تطلق في البدء على الظواهر الطبيعية أو الأشياء الطبيعية . ثم تنقل هذه الألفاظ ، عندما يخترع الناس الأشياء الصناعية ، على هذه المخترعات ، مثل لفظة جريدة ولفظة أزيز في اللغة العربية .