أبو نصر الفارابي

55

احصاء العلوم

يميز بهذا العلم بين ما يظهر في البصر بخلاف ما هو عليه بالحقيقة ، وبين ما يظهر على ما هو بالحقيقة ، ويعطي أسباب هذه كلها ، ولم هي كذلك ، ببراهين يقينية ، ويعرف في كل ما يمكن أن يغلط فيه البصر وجوه الحيل في أن لا يغلط ، بل أن يصادف الحقيقة فيما ينظر إليه من الشيء ومقداره وشكله ووضعه وترتيبه وسائر ما يمكن أن يغلط فيه البصر . وبهذه الصناعة يمكن الإنسان أن يقف على مساحة ما بعد من الأجسام بعدا يتعذر به الوصول إليه وعلى مقادير أبعادها منا ، وأبعاد بعضها من بعض : وذلك مثل ارتفاعات الأشجار الطوال والحيطان وعروض الأودية والأنهار ، بل ارتفاعات الجبال وأعماق الأودية ، بعد أن يقع البصر على نهاياتها ، ثم أبعاد الغيوم وغيرها عن المكان الذي نحن فيه ، وبحذاء أي مكان من الأرض ، ثم أبعاد الأجسام السماوية ومقاديرها إنما يمكن أن يضاف إليها عن انحراف مناظرها . وبالجملة كل عظم التمس الوقوف على مقداره أو بعده عن شيء ما بعد أن يقع عليه البصر . فبعضها بآلات تعمل لعبور البصر حتى لا يغلط ، وبعضها بلا آلات . فكل ما ينظر إليه ويرى فإنما يرى بشعاع ينفذ في الهواء أو في كل جسم مشفّ ما بين أبصارنا إلى أن يقع الشيء المنظور إليه . والشعاعات النافذة في الأجسام المشفة إلى المنظور إليه إما أن تكون مستقيمة أو منقطعة وإما منعكسة وإما منكسرة .