أبو نصر الفارابي

39

احصاء العلوم

أحدهما - أن يلتمس السائل بالأشياء المشهورة « 1 » التي يعترف بها جميع الناس غلبة المجيب في موضع يضمن المجيب حفظه أو نصرته ، [ فإن كان هذا ] بالأقاويل التي ليست مشهورة لم يكن فعلهما ذلك فعلا على طريق الجدل . والثاني - في أن يلتمس بها الإنسان إيقاع الظن القوي في رأي قصد تصحيحه إما عند نفسه وإما عند غيره حتى يخيل أنه يقين من غير أن يكون يقينا « 2 » . والأقاويل السوفسطائية - هي التي شأنها أن تغلط وتضلل وتلبّس وتوهم فيما ليس بحق أنه حق ، وفيما هو حق أنه ليس بحق ، وتوهم في من ليس بعالم أنه عالم ناقد ، وتوهم في من هو حكيم عالم أنه ليس كذلك . وهذا الاسم ، أعني السوفسطائية ، اسم المهنة التي يقدر الإنسان المغالطة والتمويه والتلبيس بالقول والإيهام ، إما في نفسه أنه ذو حكم وعلم وفضل ، أو في غيره أنه نقص من غير أن يكون كذلك في الحقيقة ، وإما في رأي حق أنه ليس بحق ، وفيما ليس بحق أنه حق ،

--> ( 1 ) المقدمة المشهورة قول شائع بين الناس أو رأي اعتقدوا به وصدقوه دون أن يبلغ اليقين كقولهم العدل جميل ، والصدق حسن إلخ . . . ويقوم الجدل على مقدمات مشهورة ، أو على مسلمات ( أقوال يسلم بها الخصم ) وبهذا ينماز عن البرهان ذي المقدمات اليقينية وعن المغالطة ذات المقدمات المغلوطة . ( 2 ) العلم اليقيني هو العلم الذي لا شك فيه ، أو هو العلم الخالي من الشك . هكذا عرفه الغزالي في مقدمة كتابه المنقذ من الضلال . أما ديكارت فقد عرفه بأنه الفكرة الواضحة والمميزة . وعرفه سبينوزا بأنه الفكرة المطابقة للواقع .