أبو نصر الفارابي

40

احصاء العلوم

وهو مركب في اليونانية من « سوفيا » ، وهي الحكمة ، ومن « اسطس » . وهي المموهة ؛ فمعناه حكمة مموهة « 1 » . وكل من له قدرة على التمويه والمغالطة بالقول في شيء كان ، سمي بهذا الاسم . وقيل إنه سوفسطائي ، وليس كما ظن قوم أن سوفسطا اسم إنسان في الزمن القديم ، وأنّ مذهبه كان إبطال الإدراك والعلوم ؛ وشيعته الذين يتبعون رأيه فينصرون مذهبه يسمون سوفسطائيين ، وكل من رأى رأي ذلك الرجل ونصره سمي بهذا الاسم - فإن هذا ظن غبي جدا : فإنه لم يكن فيما سلف إنسان كان مذهبه إبطال العلوم والإدراك يلقب بهذا اللقب ، ولا القدماء سموا بهذا الاسم أحدا ، لأجل أنهم نسبوه إلى إنسان كان يلقب بسوفسطا ، بل إنما كانوا يسموه إنسانا بهذا الاسم لأجل مهنته ونوع مخاطبته ، وقدرته على جودة المغالطة والتمويه ، كائنا من كان

--> ( 1 ) كلام الفارابي حول معنى لفظة « السفسطة » ، وهي لفظة يونانية معربة ، يدل على تضلعه باللغة اليونانية . إنها كما يقول لفظة مؤلفة من سوفيا أي الحكمة واسطس أي المموهة . فغدا معناها « الحكمة المموهة » . وكل من له قدرة على التمويه والتلبيس وإلباس الباطل لباس الحق يدعى سفسطائيا . والقياس السفسطائي أو المغالطي يبنى على مقدمات وهمية أو مموهة أو مغلوطة . وقد أطلق هذا اللفظ في الأصل على الرجل الحاذق في الصناعة أو البيان والخطابة . وكان السوفسطائيون معلمين للبيان يجوبون المدن اليونانية يعلمون الناشئة الخطابة والبيان والنقاش حول المسائل المختلفة ويتقاضون أجرا على ذلك . فلما جاء سقراط وأفلاطون وأرسطو عابوا عليهم ذلك واتهموهم بتزوير الحقائق والتلبيس والتمويه على الناس . واشتهر منهم بروتاغوراس وغورغياس وهيبياس وغيرهم . وكانوا يشكون في وجود حقائق مطلقة ويشكون في إمكانية الوصول إلى المعرفة اليقينية .