حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
75
شاهنامه ( الشاهنامه )
الممالك عين ولا أثر ، ولا حجر ولا مدر . والرأي أن يبعد عنه ، ويشار عليه بأن يكفله غيره لنأمن شره وضره . فدخلوا عليه وكلموه كلام رجل واحد وقالوا : أيها الملك ! إن ممالك الشرق والغرب تحت حكمك ، وملوك الأقاليم كلهم في رق أمرك . فاختر منهم في يصلح لحضانة ولدك وكفالته حتى يقوم بها ويعلمه الآداب الملوكية والمراسيم الشاهية فيخرج منه ملك يفتخر به الزمان ، وينتشر به الأمن والأمان . فقبل ذلك منهم ، وفرق الرسل في أطراف الممالك في التماس أهل الدربة والدراية . فأقبلوا من أقطارهم متوجهين إلى بابه . ووفد عليه المنذر بن النعمان ملك العرب ، وولده النعمان صاحب الخورنق في جماعة من أمراء العرب وفرسانهم وأبطالهم . فقال المنذر : نحن عبيد الملك مخلصين له في المشايعة والعبودية . ولا يخفى عليه ما خصصنا به من آداب الفروسية . وعندنا جماعة من المتبحرين في العلوم النجومية والهندسية . تسليم يزدجرد ابنه بهرام إلى المنذر والنعمان ليقوما بتربيته وسأل الملك أن يكفله بهرام ففعل وسلمه إليه . فحمله وانصرف به إلى بلاد اليمن . واختار له أربع نسوة ذواب أجسام صحيحة وأنشاب صريحة وأذهان ذكية وآداب مرضية . اثنتان منهن من بنات أشراف العرب ، واثنتان من بنات أكابر العجم . فكن ّ يرضعنه ولم يفطمنه إلا بعد أربع سنين ، ولما طعن في السنة السابعة قال للمنذر : لا تعدنى صبيا رضيعا ، وسلمني إلى من يعلمني الآداب والعلم ، ولا تتركني منهمكا في البطالة والكسل . فقال له المنذر : إنك بعدُ صغير السن ، ولم يأن لك ذلك . وإذا بلغت سنا تطيق فيه التعلم والتأدب أحضرتك من يعلمك ذلك . فقال : أيها الرجل لا تستصغرنى ، وانظر إلىّ بعين الكبر . فالذنب للعين لا للنجم في الصغر . فإني وإن كنت صغير السن فعقلي وافر . وأنت وإن كنت طاعنا في السن فعقلك ناقص . وغريزتي مباينة لغريزتك . فلا تنظر إلىّ نظرك إلى نفسك ، وإنك إذا انتظرت زمانا آخر لتعلمني وتؤدبني فات الوقت ولم يثمر عند ذلك الجدّ والجهد . فعلمني ما يليق بالملوك من الآداب . فإن التعلم رأس مال ذوى الألباب . وطوبى لمن عنى بخاتمه أمره في ريعان عمره . فتعجب المنذر من كلامه ، وسمى اللّه عليه ، ونفذ إلى بلاد إيران من أتاه بأربعة من الموابذة : أحدهم ليعلمه الخط والكتابة . والثاني ليعلمه الصيد والطرد . والثالث من يعلمه الرماية واللعب بالكرة