حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
59
شاهنامه ( الشاهنامه )
فعشقها وعشقته فأرسلت اليه وقالت : ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة وتقتل أبى ؟ قال : لك حكمك وأرفعك على نسائي وأخصلك دونهن بنفسي . قالت : عليك بحمامة ورقاء فاكتب على رجلها بحيض جارية بكر زرقاء ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فيتداعى . وكان ذلك طلسما لا يهدمها إلا هو . ففعل ذلك وتأهب لهم فتداعت المدينة ففتحها عنوة وقتل الضيزن وأباد بنى العبيد وأفنى قضاعة حتى لم يبق منهم باق . وفي ذلك يقول شاعرهم : ألم يحزنك والأنباء تنمى * بما لاقت سراءة بنى العبيد ومصرع ضيزن وبنى أبيه * وأخلاس الكتائب من يزيد أتاهم بالفيول مجللات * وبالأبطال سابور الجنود فهدم من أواسى الحضر صخرا * كأن ثقاله زبر الحديد قال : فخرب سابور الحضر ، واحتمل النضيزة بنت الضيزن فأعرس بها بعين التمر . فلم تزل ليلتها تتضوّر من خشونة فُرُشها ، وكانت من حرير محشور بقز . فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هي ورقة آس ملتصقة بعكنة عن عكنها قد أثر فيها . قال : وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها . فقال لها سابور : بأي شيء كان يغذوك أبوك ؟ قالت : بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر . فقال : وأبيك ! لأنا أحدث عهدا بمعرفتك ، وأوتر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين . فأمر رجلا فركب فرسا جموحا فضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطعها قطعا . فلذلك قال الشاعر وهو عدى بن زيد : أقفر الحضر من نضيرة فالمر * باع منها فجانب الثرثار وصية سابور لابنه أورمزد ( هرمز ) ليستلم الحكم من بعده والإحسان إلى الرعية قال الفردوسي : فبقى سابور مستقرا على سرير الملك موطئا للرعية أكناف العدل والأمن حتى أتت عليه من ملكه ثلاثون سنة فطلعت عليه طلائع المنية فاستحضر ولده أورمزد ، وهو هرمز . فعهد اليه وأوصاه بأن يعدل إلى الرعية وألا يرفع صوته فوق كل ذي صوت خافض ، ولا يسلك غير طريق العدل ، ولا يحرص على جمع الكنوز واقتناء الأموال ، وأن يكون متيقظا في جميع الأمور . ثم قضى نحبه وسلك سبيل الذاهبين ، وورد موارد الأولين . وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين أجمعين .