حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
56
شاهنامه ( الشاهنامه )
إليها قبل . ويأمر باستقباله ويجلس على تخت الفيروزج في إيوانه ، ويصطف الملوك والرؤساء على رأسه سماطين ، في الملابس المنسوجة بالذهب . فإذا وصل إلى الباب أمر بإدخاله عليه . فإذا حضر أجلسه عند تخت فساءله عن سره وجهره وخيره وشره . ثم يحضره في مجلس أنسه ، ويخرج به إلى متصيده وهو راكب في العدد الدهم من عسكره . ثم يجاوب عما صحبه من الرسالة ، ويأمر أن يخلع عليه ، ويتقدّم إلى الرسول دار بحمل ذلك اليه وصرفه . ومن سيرته أنه فرق جماعة من الموابذة في أقطار المملكة وأمرهم بأن ْ يجثوا عن أحوال الرعية في السر . فإذا عثروا منهم غنىّ قوم غاضت جمة ماله ، وصاحب ثروة تغير وجه حاله أنهوا ذلك إلى الملك فخبر كسره ولم ّ تشعثه بحيث لا يرتقع ستر الحشمة عن وجهه ، ولا يطلع أحد من أهل بلده على سره . فلم يبق في دولته ذو خلة إلا من طوى حاله في تضاعيف الكتمان ورضي لنفسه بالحرمان . ومن سيرته أنه كان يفرق ثقاته في أقطار ممالكه حتى إن رأوا ضيعة متشعثة أمر بإسقاط خراجها والنظر في حال أهلها ، وإن رأوا دهقانا يتقاعد حاله عن الإِنفاق على عمارة ضياعه عاونه بالمال والدواب ليرتاش وينتعش . ومن سيرته أنه كان يحضر الميدان صبيحة كل يوم فترفع اليه قصص المظالم فينتصر من المظلوم للظالم . الاعتبار بسيرة أردشير وذكره الحسن قال صاحب الكتاب مخاطبا لمحمود أو غيره : فالآن أيها الشهريار ! إن كنت تريد انتظام أحوالك فانسج على هذا المنوال ، ولا تؤثر غير راحة الرعية لتكون مشكورا عند الباري والبرية . وصية أردشير لابنه سابور ليتصدى الحكم من بعده والإحسان إلى الرعية قال : ثم إن أردشير مرض بعد أن أتت عليه ثمان وسبعون سنة . فاستحضر ولده سابور وعهد اليه [ 1 ] وأوصاه وصية قال في آخرها : وإني ملكت اثنتين وأربعين سنة ، وبنيت ست مدائن كالجنان
--> [ 1 ] عهد أردشير إلى سابور طويل نظمه الفردوسي في ستة عشر ومائة بيت . وقد بالغ المترجم في اختصاره كما حذف قبل هذا فصلا يتضمن نصبح أردشير أهل إيران وثناء رجل اسمه خراد على أردشير . وأريد أن أعرض على القارئ ما عهد به أردشير إلى ابنه في أمر الدين والدولة ليرى . كما قلت في مقدّمة هذا الفصل ، أن أردشير رفع قواعد ملك إيران ودين زردشت معا . يقول أردشير : « لا يقوم الدين بغير سرير الملك ، ولا يقوم الملك بغير الدين ، وإن العاقل ير أحدهما محوكا في الآخر لا الدين في غنى عن الملك ، من لا الملك محمود بدونه . كلاهما حارس الآخر كأنهما مقيمان في سرداق واحد . لا يستغنى هذا عن ذاك ولا ذاك عن هذا ، فهما شريكان صالحان . إن رجل الدين إذا أسعده العقل والرأي يظفر بالدنيا والآخرة جميعا . الملك حارس الدين فلا تدْع الدين والمُلك إلا أخوين . ومن اجترأ على ملك عادل فلا تسمه ذادين ، ومن يحقد عليه فلا تعدّه تقيا .