حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
55
شاهنامه ( الشاهنامه )
ومن سيرته أنه كان إذا حضر بابه متظلم أو ذو حاجة من الأطراف من بارده جماعة من ثقاته قد رتبهم لذلك فساءلوه عن ولاة ناحيته وعلمائها ، واستخبروه عن حالهم في العدل والظلم . فمن وقف من حاله على كسر جبر ، ومن عثر منه من أولئك على خلل غيّر . ومن سيرته أنه كان إذا أراد أن ينفذ عسكرا إلى عدوّ يختار رجلا عاقلا كاتبا عالما حافظا لأسرار الملك فيرسله إلى ذلك العدوّ برسالة تشتمل على إعذار وإنذار حتى لا يأتيه على غرة . فإن أجاب المرسل إليه وسمع وأطاع ولم يؤثر الاقتحام على الشر ولا مباشرة الحرب أكرمه بخلعه ومبارّه ، وأعطاه المنشور على ممالكه ودياره . وإن كان غير ذلك أعطى عسكره الأرزاق وأطلق لهم العطايا والصلات وجهزهم اليه تحت راية بهلوان عاقل موصوف بالسكون والتؤدة راغب في حسن الأحدوثة ، ونفّذ معه كاتبا معروفا ذا غنى وغناء وسنا وسناء ، يكون ضابطا للجيش حافظا لهم من النزق والطيش ، كافا إياهم عن الظلم والغشم . ثم يأمر مناديا فيركب ظهر فيل وينادى في العسكر بصوت جهير ويقول : نصيحة اردشير كبار الدولة الإيرانيين يا وجوه العسكر ! لا تتحاملوا على أحد ، وأحسنوا إلى الرعية ، ولا تمدّوا أيديكم إلى ما في أيدي غيركم . واعلموا أن كل من أحجم منكم في القتال عن عدوّه لا يرى الخير من بعد فاما أن يلقى في القيد والحبس وإما أن ينقل إلى الناووس والرمس . ثم يوصى مقدّم الجيش نصيحة اردشير الشعب ويقول : لا تكن في أمرك متوانيا ولا نزقا ولا بادئا بالقتال . وإذا عبيت الصفوف فلا تجعل الفيلة إلا أمام الكل . وفرّق الطلائع إلى أربعة أميال . وإذا قامت الحرب فطف بنفسك على العسكر ، وصغّر أمر العدوّ في أعينهم ، وقوّ قلوبهم وعدِهم بعواطفنا ومبارّنا ، ومنّهم بأعطيتنا وصلاتنا . واحفظ قلب العسكر عند اللقاء وأثبت مكانك . وإياك أن يخرج منهم أحد وإن كثر العسكر وكثف الجمع . واجهد أن تحمل ميمنتك على ميسرة العدوّ فيقرغوا وسعهم ويبذلوا جهدهم ، ثم تحمل ميسرتك على ميمنتهم بقلوب متحدة وقوى متعاضدة ، ولا يزايل قلب العسكر مكانه ويكون شبه البنيان المرصوص لا يتحرّك منهم أحد إلا أن يتحرّك قلب العدوّ . فحينئذ تزحف بقلبك إليهم . وإذا رزقت الظفر وانهزم العدوّ فلا تسفك الدماء . ومن استأمنك منهم فأعطه الأمان . وإذا ولاك العدوّ ظهره فلا تمكن عسكرك من النهب والغارة . ولا تأمن أن يخرج العدوّ عليك من المكمن . ثم اجمع ، بعد أن تأمن العدوّ ، المغانم واقسمها على من باشر الحرب بنفسه ، وعرض للهلاك مهجته ثم من حصل في يدك أسيرا فجهزهم الىّ حتى أبتنى لهم مدينة وأسكنهم إياها . واحفظ هذه الوصية ، ولا تعدل عن مقتضاها حتى تسلم وتغنم . ومن سيرته الموصوفة سيرته في ترتيب الرسل الواردة عليه من الأطراف . فكان الرسول إذا وصل إلى طرف بلاده رتبت له الأنزال منزلا إلى أن يصل إلى الحضرة ، بعد تقدّم إنهاء أمره