حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

23

شاهنامه ( الشاهنامه )

احتمل السحاب التنين من البحر فألقاه إليهم . فيجتمعون اليه ويأكلون منه حتى تعبل أجسامهم وتسمن أبدانهم . ويكون ذلك من السنة . إلى السنة . وفي سائر السنة يجتزئون بنبات الأرض وبما يختطفونه من كل جانب ، وإذا كانت أيام الشتاء اعتراهم الضعف حتى يصير صورت أحدهم في رز صورت الحمام . وإذا أقبل أيام الربيع عادوا كالذئاب الضارية . فان أنعم الملك بالتدبير في كفاية شرهم وكف معرّتهم شكر سعيه بكل لسان ، ودام ذكره إلى آخر الزمان . فتعجب الإسكندر مما أوردوا واهتم لذلك . ثم غاص في بحر الفكر فقال لهم : إني أعاونكم منى بالأموال والكنوز فعاونونى بنفوسكم حتى أعمل دونهم سدّا بقدرة اللّه الذي لا إلا إلا هو سبحانه وتعالى . فدعوا له وقالوا : إنا كلنا عبيدك فيما تأمر به . فجاء الإسكندر في علماء فلاسفته وأصحاب رأيه فنظر إلى الجبل فأمر باستدعاء الحدّادين والفعلة ، وأمر باحضار النحاس والرصاص والجص والحجارة والحطب . فجمعوا من كل واحد ما لا يحيط به الحصر . وحشر صناع الأقاليم فسدّ ما بين الجبلين بسدّين من قرار الأرض إلى رأس الجبل . وجعلوا الأساس في عرض مائة ذراع . فكانوا يصفون من زيرا الحديد صفا في مقدار ذراع ، ويضعون على الفحم ، والنحاس ، ويجعلون الكبريت فوقه ، ثم صفا آخر فوقه كذلك ثم آخر وآخر حتى انتهى إلى رأس الجبل وساوى ما بين الصفين . ثم خلطوا النفط والدهن وأفرغوه على رأس الجميع ثم صبوا عليه الفحم ثم ألقوا فيه النار . واجتمع عليه مائة ألف حدّاد ينفخون فيه فارتفع الدخان في السماء وتمكنت النار فيه وبقيت كذلك تنقذ زمانا حتى تراصّت الأجزاء وتنهدم البناء . فتخلص العالم بالسدّ الإسكندري من شر يأجوج ومأجوج وعادتيهم وللّه الحمد . [ 1 ] قال : وطول هذا السدّ خمس خمسمائة ذراع في عرض خمسمائة ذراع .

--> [ 1 ] تصف كتب التاريخ والبلدان سدودا بلاد الترك والبلاد المجاورة . منها سدّ بين إيران وبلاد الخزر يصل ما بين جبال القوقاس وبحر الخزر . ومنها سدّ في جريان بناه الساسانيون . ومنها سور بخارى الذي بناه « ملك من ملوك الصغد في سالف الدهر مانعا لغارات أجناس الترك ودافعا لأذيتهم . وجدّد في أيام المهدى ، وكان قد تهدّم ، على يدي أبى العباس الطوسي أمير خراسان » . وأكثر الكتب على أن سدّ الإسكندر أو سدّ يأجوج ومأجوج هو السدّ الذي بين جبال القوقاس وبحر الخزر . ولكنه لا يلائم ما وصف به سدّ يأجوج ومأجوج أنه بين جبلين . وأقرب