حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
20
شاهنامه ( الشاهنامه )
وعبر الإسكندر وبعساكره وسار حتى وصل إلى جبل آخر عال في السماء فأصعدوا فيه فرأوا على رأس الجبل تختا من الذهب منصوبا وعليه شيخ ميت مسجّى بديباج على رأسه تاج مرصع بجواهر تزهر للعيون . فلم يتجاسرا أحد على القرب منه . وكان كل من يقدم اليه تأخذه الرعدة في مكانه ويموت في وقته . فلما صعد الإسكندر ذلك الجبل ورأى التخت سمع هاتفا يقول : أيها الملك ! قد جهدت زمانا طويلا وأفنيت من الملوك كثيرا . وقد دنا وقتك وحان حينك » . فعظم عليه ذلك واصفر لونه . ذهاب الإسكندر إلى هروم مدينة النساء ورؤيته الأعاجيب وسار قاصدا قصد مدينة هروم . وهي مدينة سكانها بنات أبكار لا يمكن ّ أحدا من القرب من المدينة ، لم يخلق للواحدة منهن إلا ثدي واحد وهو الأيمن فحسب ، وهن في الأيسر كالرجال . قال : فكتب الإسكندر إليهن كتابا يدعوهن إلى الطاعة ، ويذكر أنه ما جاء لقصد قتالهن ولا لنهب بلادهن ، وأنه لم يرد سوى رؤية المدينة والاعتبار بأحوالها . ونفذ بالكتاب فيلسوفا وأمره بأن يلاطفهن في الخطاب ويرجع اليه بالجواب . فصادف الرسول أهل المدينة نساء كلهن ليس فيها رجل . فاستقبلنه على الخيول في آلات الحرب فقرأن الكتاب وقلن في جوابه : إنك رجل كبير ، وصيتك عال رفيع . فلا تفسدنه بأن يقال أنك قفاتلت النساء وانهزمت منهن . فان ذلك يجر عليك عارا لا يزول أبدا . ولكن إن جئت للتطواف في مدينتنا والنظر إليها والوقوف على أحوالها أكرمنا مقدمك وتلقينا بالجميل موردك . وختمن الكتاب وأنفذنه على يدي امرأة عاقلة في ملابس الملوك ومعها عشر فوارس منهن . فلما أتت الإسكندر ووقف على ما صحبها من الجواب أكرمها وقال : ما لي حاجة في مدينتكن سوى النظر إليها . وإذا حصل ذلك عبرت وتجاوزت إلى طرف آخر . فعادت وأعلمت صواحبها بما جرى . فاجتمعن واتفقن على إعداد تحف برسم الملك ، من التيجان المرصعة والجواهر النفيسة وغير ذلك مما يصلح أن يخدم به الملوك . ثم رحل الإسكندر من منزله وسار فهاج عليهم بعد مرحلتين هواء شديد وتغيمت المساء وسقط عليهم ثلج أهلك خلقا من أصحاب الإسكندر . فسار من ذلك الزمهرير منزلين . ثم شاهدوا دخانا مرتفعا في السماء وسحابا أسود كأنه يمطر النار فحمى الهواء وعظم الحرّ حتى حميت الدروع على أكتاف الرجال فأحرقتها . فسار على ذلك فوصل إلى مدينة فيها ناس سود الوجوه كالسَبَج ، هدل الشفاه ، تتوقد النار من أحداقهم وتخرج من أفواههم . فاستقبلوا الإسكندر وخدموه بفيلة عظيمة وتحف كثيرة وقالوا : إنا لم نر أحدا وصل إلى هذه المدينة ، ولم نر راكب فرس قط . فأقام الملك فيها شهرا .