حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
21
شاهنامه ( الشاهنامه )
ثم سار قاصدا قصد مدينة النساء فعبر اليه البحر جلائل أهلها في ألفين من فوارسهن مستقبلات له فقدّمن اليه برسم الهدية تيجانا مرصعة وجواهر نفيسة وثياب وَشْى . ثم ركب الإسكندر ووصل إلى المدينة فأكرمن مقدمه ونثرن عليه نثارات ، وخدمنه بتحف ومبرات . ولما رأى المدينة وأهلها ، ووقف على أحوالها خلع عليهن ، وأحسن إليهن ، وارتحل . ذهاب إسكندر إلى مغرب الكرة الأرضية وسار قاصدا قصد مغرب الشمس فوصل إلى مدينة فيها ناس حمر الوجوه صفرا الشعور فسائلهم الإسكندر عمن يعرف عجائبها . فقال له من أهل تلك المدينة شيخ طاعن في السن : إن وراء مدينتنا عينا كبيرة فيها مغرب الشمس وتغيب . ووراء هذه العين ظلمات ، وفيها من العجائب ما لا يحيط به الوصف . وقد قال بعض عبادنا : إن فيها عينا يقال لها عين الحياة من شرب منها يخلد ولا يموت . لأن مدد مائها من أنهار الفردوس . ومن اغتسل فيها تساقطت عنه ذنوبه . فقال له الإسكندر : كيف تسلك الدواب طريق هذه الظلمة ؟ فقال : من أراد أن يسلك طريقها لا ينبغي أن يركب إلا مهرا . فأمر الإسكندر بجمع الخيل فاختيار منها عشرة آلاف مهر رباع قوى . عثور الإسكندر على عين ماء الحياة وسار في عساكره حتى وصل إلى مدينة كبيرة فيها نعم كثيرة وبساتين وسيعة وقصور رفيعة فنزل فيها . وسار وحده إلى مغرب الشمس فبقى ينتظر غروبها . فلما كان عند الغروب شاهد قرص الشمس وهي تغيب في تلك العين . فجعل يسبح اللّه تعالى ويقدّسه . ثم انصرف إلى معسكره فانتخب من أصحابه من عرفه بالعقل والصبر . وتزوّد لأربعين يوما ، واختار من يصلح أن يتقدّم أمامهم ويسير بين أيديهم . فوقع الاختيار على الخضر فإنه كان سيد الجماعة وصاحب الرأي فيما هم بصدده . ففوّض الإسكندر اليه أمره ، وقال : أيها الرجل المتيقظ ! نبه قلبك لهذا والأمر . فإنا إن عثرنا على ماء الحياة بقينا نعبد اللّه تعالى إلى آخر الأبد . وإن معي خرزتين تتقدان كالشمس في جنح الليل فخذا إحداهما ، وسر قدّام القوم ، وتكون الأخرى معي . وأنا والعسكر نقتفى أثرك ونبصر ماذا قسم اللّه تبارك وتعالى لنا . فتقدّم الخضر ، وسار الإسكندر في أثره حتى سار في الظلمات مرحلتين . ولما كان المنزل الثالث عرض لهم في الظلمات طريقان فسار الخضر في إحدى الطريقين ، ووصل إلى عين الحياة فشرب منه واغتسل وفاز بالمطلوب وضل الإسكندر عنه فسلك الآخر فأفضى به إلى الضوء حديث الإسكندر مع الطير وخرج من الظلمة فرأى جبلا شاهقا في السماء على رأسه أشجار من العود ، وعلى كل شجرة طائر أخضر ، فلما