حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
383
شاهنامه ( الشاهنامه )
زرنوش . وبنى بأرض الجزيرة مدينة أخرى واسعة وسماها دارنو . وهي التي تسمى اليوم دارا ، على ما قاله غير صاحب الكتاب . موت فيلقوس ملك الروم وجلوس دارا بعده على العرش قال : ومات في عهده قيلقوس صاحب الروم فاضطربت بموته أمور بلاده حتى قعد الإسكندر مقعده جدّه من السلطنة فأصلح الفاسد ولم الشعث . وكان في ذلك العهد في بلاد الروم الحكيم سطاطاليس ذو الذكر الشهير . فدخل على الإسكندر . وقال : أيها الملك ! إن هذا التخت قد رأى مثلك كثيرا ، ولا يدوم مع من تسنمه إلا قليلا . وأجهل من تحت السماء من لا يقبل مواعظ العلماء . وإنا من التراب خلقنا وله ولدنا . وعجز بنا أن نميل اليه ونحرص عليه . فإن أحسنت بقي ذكرك ودام ملكك . وإن أسأت لم تحصد غير ما زرعت . وعن قريب تفارق التاج والتخت . وليس يأخذ بيد الملوك إلا الإحسان وبالإساءة يحرم الخير الانسان . فاستحسن الإسكندر كلامه ، واستغزر فضله . فصار لا يصدر إلا عن رأيه ، ويبالغ في إكرامه حتى يجلسه معه على تخته . فجاءه رسول دارا الطلب الإتاوة المعينة المذكورة فعظم ذلك على الإسكندر ، واستشاط من الغضب مستعرا كاللهب وقال للرسول : أخبر صاحبك بموت الطائر الذي كان يبيض بيض الذهب . وقل له إنه قد مات وإن حظك قد فات . فارتاح الرسول لجوابه وانصرف مختفيا إلى صاحبه . فجمع الإسكندر جيوشه وفرّق عليهم ذخائر وجدّه وكنوزه . وأعدّ واستعد ، وخرج يخفق على رأسه لواء أخضر . فجاء إلى مصر ونزل عليها فاتصل الحرب بينه وبين صاحبها أسبوعا فغلب الإسكندر من اليه أكابر أهل مصر وانضموا اليه . فارتحل بهم من مصر قاصدا قصد إيران . فانتهى الخبر بذلك إلى دارا فخرج من إصطخر في جنود قد سدّوا بالرماح طريق الهبوب على الرياح . وسار حتى نزل على الفرات . مجيء الإسكندر إلى دارا في زي الرسول ووصل الإسكندر وخيم بإزائه بحيث لم يكن بين العسكرين أكثر من فرسخين . فتنكر الإسكندر وركب في زي رسول واستصحب عشرة من خواصه يعرفون لسان الإيرانيين . وكل ّ حُوّل قُلّب . وقصد بذلك أن يقف على حال عدوّه عيانا . فأتى مخيم دارا فأنهى اليه أن الإسكندر من صاحب الروم قد وصل فأذن له . فدخل وقبل الأرض ومثل قائما ودعا له وقال : إن الإسكندر يقول : إني لم أقصد قتال الملك ولا منازعته في ملكه ، وإن غرضى أن أجوب البلاد ، وأجول في أقطارها وأشاهد عجائبها . ولم أضمر غير الحسنى . فان كنت تضن بتراب أرضك أن أدوسه وتمانعنى بخيلك ورجلك غير مطلع على ما في ضميري ومصمما على قتالي فأنا موافقك على ما تختار . فاختر يوما للملاقاة . فلست بالمتنكب عن مقاتلة الملوك وان كانوا في العدد الكبير والجم ّ الغفير . قال :