حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
384
شاهنامه ( الشاهنامه )
فلما وقف دارا على عقله ورأيه وشهامته وذِكائه ورآه كأنه وداراب أبوه قاعدا على تخته في تاجه وطوقه قال له : ما اسمك ؟ وإلى من تنتسب ؟ فقد أعجبتنى بما أرى فيك من الشمائل الكيانية . وما أظنك إلا الملك الإسكندر . وكأنك لم تخلق إلا للتخت ، ولست تصلح إلا للتاج والطوق . فقال : كيف يقدم على هذا مثل ذلك الملك مع ما خص به من الدهاء والعقل ؟ وإنما هذه الرسالة هو الذي حملنيها كما تحملت . فأمر به الملك فأنزل في موضع يليق به . ثم لما مدّوا السماط استدعاه فحضر . ولما رفع السماط جلس للشراب فأخذت السقاة في إدارة الأقداح الذهبية . فكانتا النوية كلما انتهت إلى الرسول شرب ووضع القدح في حجره ، ولم يردّه إلى ساقيه . حتى اجتمعت عنده أقداح عدّة . فأعلم الساقي الملك بصنيعه . فقال : سله عن السبب فيما صنع . فلما انتهى اليه قال له : أيها الشهريار لم تحط هذه الجامات في حجرك ؟ فقال : هكذا رسم ملوك الروم أن الرسل إذ شربوا عندهم كانت الظروف لهم . فإن كان رسم إيران على خلاف ذلك فردّها إلى خزانة الملك . فضحك الملك لمقالته ، وأمر بإحضار جام مملوء من الجواهر الشاهية فوضعه في يده . قال : فاتفق أنه حضر المجلس رجل كان دارا قد أنفذه إلى الروم لطلب الخراج فبطش به الإسكندر . فلما نظر إلى الإسكندر عرفه فدنا من الملك وأطلعه على الحال وقال : إن هذا هو الإسكندر الذي مضيت اليه أطالبه بالخراج فأهاننى فخرجت من عنده وهربت . وإنه لإدلاله بقوّته أقدم على هذه الحركة ليعاين أحوال الملك ويقف على كمية العسكر . فأكثر دارا عند ذلك النظر إلى الإسكندر . فأحس بذلك وتصبر إلى أن قرب وقت الغروب فاهتبل غرة الملك ، وقام إلى الدهليز . وخرج فركب في أصحابه ونجوا بأنفسهم طردا وركضا . قال : فالتفت الملك إلى مكانه فلم يجده فنفذ إلى خيمته فما وجد فيها . فأركب في طلبه ألف فارس فاتبعوا أثره ففاتهم ولم يدركوه وانصرفوا بعد أن شارفوا طلائع الروم . وعادوا وقد فاتهم الملك اليقظان وطرف سعادتهم ناعس وسنان . حرب دارا والإسكندر وهزيمة دارا قال : ولما طلعت الشمس ركب دارا وعبر الفرات في جيشه أجمع . فصافّه الإسكندر في جنوده يقدمهم فيول كشم ّ الهضاب ودكن السحاب . فالتقوا ودارت رحى الحرب بينهم أسبوعا . ولما كان اليوم الثامن ثارت دبور الإدبار فلطمت وجوه الإيرانيين بعجاج أغطش نهارهم ، وأعمى أبصارهم .