حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
381
شاهنامه ( الشاهنامه )
فاستحضر داراب عند ذلك أعيان حضرته وأرباب دولته ، وعرض عليهم رسالة صاحب الروم ، واستشارهم في الأمر . فقالوا : إن الملك أعلم وهو بالرأي والتدبير أبصر . وإن وراء ستارة هذا الملك بنتا في غاية الحسن كأنها الشمس الطالعة ، ذات قدّ كالسرو الباسق ، وشعر كالليل الغاسق ، وثغر كاللؤلؤ المتناسق . فإن رأى الملك خطبها اليه » . فأحضر الرسول وأمره بأن يقول لقيصر : إن كنت تريد ألا ينهتك ستر الحشمة من وجه حالك فزوّجين ابنتك ناهيد التي هي وراء سترك ، وجهزها إلىّ مع ما تقرر من الخراج . فرجع الرسول بهذا الجواب إلى قيصر فسير بما التمسه من المصاهرة ، وتردّدت السفراء بينهما في تقرير الخراج وكميته . فاستقر الأمر على أن يؤدّى إلى داراب كل سنة مائة ألف بيضة وزن كل بيضة أربعون مثقالا من الذهب الأحمر . فقسمها قيصر على جميع أمراء الروم . ثم أمر جميع فلاسفة بلده أن يستعدوا للتأهب للخروج في صحبة ابنته . ثم خرجت في مهدها محفوفا بالأسفاففة يقدمهم سكوبا وهو أعلمهم وأزهدهم . خلف المهد ستون جارية بالأكاليل والشنوف ، على يد كل واحدة منهن جام من الذهب مملوء من الجوهر ، ومع عشرة أحمال من الديباج الرومي المنسوج بالذهب والجواهر ، وثلاثمائة حمل من الملابس والمفارش ، إلى غير ذلك من النفائس التي تجلب من الروم . فلما وصلت العروس وسلمها سكوبا إلى صحابها داراب ثنى عنانه وعاد إلى بلاد فارس . إرجاع داراب ناهيد ابنة فيلقوس إلى أبيها وولادتها الإسكندر قال : فاتفق أن ابنة قيصر كانت ذات ليلة مضطجعة مع داراب في الفراش فتنفست فشم من نكهتها رائحة كريهة فنفرت نفسه منها واهتم بسبب ذلك . فجاءوا بالحكماء والأطباء فعالجوا تلك العلة منها بدواء يسمى الإسكندر في بلاد الروم فشفيت وطابت نكهتها ، وغير أن تلك النفرة استمرت على قلب داراب . وكان لا يميل إليها ولا يقرب منها ، وبلغ له الأمر إلى ردّها إلى أبيها . فانصرفت مهمومة حزينة وقد احتوت على حمل منه ولم تطلع عليه أحدا . فلما تم لها تسعة أشهر ولدت ابنا فسمته أمه الإسكندر تيمنا باسم الدواء الذي وجدت عليه الشفاء . فلم يظهر ملك الروم أنه ولد داراب ، وأظهر أنه ولده . ثم إنه شب وترعرع فكان تظهر عليه الشمائل الخسروانية ، وتسمع من منطقه المعاني البهلوانية . وكان قيصر يحبه ويؤثره على ولده إلى أن كبر ولبس وجهه طوق الشهامة ، وطال منه نجاد الصرامة . فجعله قيلقوس ولى عهده والقائم مقامه من بعده ، وعلمه جميع الآداب الملوكية حتى صار لا يصلح إلا للسلطنة والجلوس على سرير المملكة .