حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

363

شاهنامه ( الشاهنامه )

مضرجا بالدم وغشى عليه . ثم أفاق واستوى قاعدا وأخذ برأس النشابة وانتزعها بيده . فجاءه أخوه بِشوتَن وولده بهمن راجلين . فلما وجداه على تلك الحالة شقا الثياب ، ووضعا على رءوسهما التراب ، وضماه إلى صدورهما ، وجعلا يمسحان الدم عن وجهه ، وطفق بِشوتَن يندبه وينوح على مآثره ومفاخره ، ويتلهف على محاسنه ، ومكارمه ، ويلعن التاج والتخت ، ويدعو على صاحبهما كشتاسب حيث عرض ولده للهلاك بسبب ضنته بهما عليه . فقال له : لا تكثر الجزع فإنه لم يكن نصيبي من الملك غير ما ترى ، وإن الموت غاية كل حي . وقد اجتهدت في أمر الدين وتعبت في نصره تعبا طويلا حتى شدت بنيانه ورفعت أركانه . ثم كبابى طرف الأمل ، واخترمنى محتوم الأجل . ولعلى أحصد ما زرعت في دار القرار ومنزل الأبرار . فانظر إلى هذا العود الذي بيدي ، واعلم أن ابن دستان ما قتلني به بالرجولية بل بحيلة دستان ودلالة العنقاء . وكان رستم واقفا منه بمرأى ومسمع فقال : ما قتلك إلا الشيطان حين ملك عليك قبادك ومنعك رشادك . وصية إسفنديار لرستم قبل موته فقال : قد وقع المحذور فادن منى وتقبل وصيتي . فترجل رستم ودنا منه متوجها . وكان الخبر قد انتهى إلى زال وزواره وفرامرز . فحضروا رجالة وجعلوا يبكون بضجيج ونجيب . وقال زال لرستم : جزعي عليك الآن أكثر من جزعي على إسفنديار . وفقد بلغني عن عالم الصين وسائر المنجمين أن من يقتل إسفنديار يقتل ولا تطول مدّته ، وتحق في الدارين شِقوته . قال : فقال إسفنديار لرستم : قتلى لم يكن برأيك ولا بحيلة العنقاء . ولم يقتلني سوى كشتاسب حيث . أكرهنى على قتالك . وكان اللّه كان كتب علىّ ذلك . والآن فهذا ولدى وقرّة عيني بهمن . فتسلمه منى ، وتقبله قبولا حسنا ، واحمله معك إلى زابلستان ، وربه تربية الوالد لولده » . فصفق رستم يده على يده وقال : أمثل أمرك وأربيه وأؤدبه وأسعى له حتى يملك التاج والتخت . ثم أقبل إسفنديار على أخيه وقال له : إذا فاضت نفسي فارجع إلى الوالد بالعسكر ، وقل له : قد أدركت وطرك ، ونلت أملك حين أو أوردتنى موردا صفوه كدر ، وما لوارده صدر . فلك الآن التاج ، ولى الهم والحزَن . ولك التخت ، ولى التابوت والكفن . وسنجتمع غدا عند اللّه ونحتكم . ولما قضى مقالته تنفس نفسا شديدا خرجت معه روحه . فأحدق به الزابليون والإيرانيون جميعا يبكون عليه . حمل بشوتن نعش إسفنديار إلى كشتاسب ثم أحضروا له تابوتا من الحديد ، وكفنوه بالديباج والحرير ، وضمخوه بالمسك والعبير ، ووضعوه فيه . وأحضر رستم أربعين جملا برستم تابوته ليعاقب بينهما في حمله . وقرنوا بين جملين منها ، ووضعوا التابوت عليهما . واحتف به أصحابه وساروا وعليهم ثياب السواد وملابس