حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

362

شاهنامه ( الشاهنامه )

من الجراحات التي أصابته من إسفنديار ، وأخبرهما أيضا بأن الرخش أصابته سهام تكسرت فيه وتغلغلت في جسمه . فأمرته العنقاء باحضار رستم ورخشه . فنفذ زال اليه حتى صعد مع فرسه إلى الجبل . فلما رأته العنقاء فرفت عليه تعطفا وتحننا فأدخلت منقارها في جراحاحة ، وأخرجت منها نصالا أربعة . ثم مسحتها بجناحها فالتأمت . وأعطته ريشة وأمرته أن يبلها باللبن ويمسحها بها ويشدّها فإنها تبرأ . وصنعت مثل ذلك بالرخش واستخرجت منه بمنقارها ستة نصال . فوجد في الحال خفة ، وانتفض وحمحم . فتهلل رستم فرحا بسلامة الرخش . ثم قالت لرستم : لأي معنى تعرّضت لقتال إسفنديار وهو رجل مذكور وشجاع بطل ، وقاتله لا يرى الخير بعده ، أتبطل سعادته ، وتحالفه شقاوته ، وتقصر مدّته ، ويلقى العناء بقية عمره ، ويذوق العذاب بعد موته ؟ فإن رضيت بهذه الحالة فاركب وأبصر العجب . فركب رستم وسار إلى ساحل البحر . فأسفّت العنقاء على شجرة من الطرفاء فقالت له : اقطع من هذه الشجرة قضيبا مستقيما يكون أحد طرفيه أغلظ من الآخر ، فان فيه يكون هلاك إسفنديار ، ثم قوّمه بالنار ، وركب عليه نصلا عتيقا ، واجعل له قُذَذا . ثم إذا جاء إسفنديار يطلب قتالك فتضرع اليه وابك بين يديه فلعلك تصرفه عن قتالك بالمقال الحلو . فإذا لم يفعل فوتر قوسك ، وسدّد نحو عينه . هذ السهم ، بعد أن يكون قد نقتعه في سلاف الخمر . فإنه يصيب عينه ، ويكون في دلك حينه . وأرشدته على الطريق حتى عاد إلى إيوانه . ثم ودعت زالا ، وحلقت في جوّ السماء . رجوع رستم إلى القتال مع إسفنديار ولما رجع رستم فعل ما أمرته به العنقاء ، وركب الرخش مصبحا ، وتنكب القوس مدججا ، وأقبل نحو إسفنديار . فبلغ الخبر إسفنديار بأن رستم قد عاد إلى القتال . فقال ما حسبت أنه يقدر أن يصل إلى إيوانه . ورجوعه الآن ليس إلا برقى دستان الساحر . فاستحضر جننه وعدّته ، وركب نحوه . فلما تقاربا قال له إسفنديار : أيها الِسجزى ! كأنك قد نسيت صنيعي بك بالأمس . وكان ظني أنك تكون اليوم محمولا إلى الرمس . ولم تبرأ إلا برقيه أبيك وسحره . وسأسد عليك اليوم سبيل حيلته ومكره ، فأجعل بدنك كالغربال بصاردات النبال ، وأتركك بحالة لا ينفعك معها رقية أبيك زال . فقال رستم : إني ما جئت اليوم للقتال ، وإنما جئت لأتضرع إليك عساك تجنح إلى السلم ، وتطفئ من قلبك نارا الحقد . قال : وجعل يتضرع اليه ويسأله الكف عن المحاربة ويستزله عن غلوائه في المباينة . فما زاده ذلك إلا غلوّا في غوايته ، واستمرارا على جهالته رستم يسدد رميته ويصيب إسفنديار في عينه فلما علم رستم إصراره وإدلاله بما أوتى من الشدّة والبسالة أخذ القوس ، ورماه بالنشابة التي سبق ذكرها فأصابت حدقته فانقلب عن ظهر الأدهم