حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

311

شاهنامه ( الشاهنامه )

الغصص . فعزم على مفارقته وقال في نفسه : إن استصحبت عسكرى علم وأنفذ خلفي وردّنى . فركب وحده ذات ليلة وحمل معه من الجواهر ما أراد ، وتوجه قاصدا إلى بلاد الروم . ذكر مسير كُشتاسب إلى بلاد الروم ، وما جرى عليه ذهاب كشتاسب إلى بلاد الروم قال : ولما أصبح أبوه واطلع على حاله أحضر زرير ، واستدعى الموابذة ، وذكر لهم حال كشتاسب . فقال له أحدهم : فرق العسكر في طلبه فإذا ردّوه إليك فلا تبخل عليه واعهد اليه . فهو يستحق ذلك بما فيه من الشهامة والصرامة » . ففرق الأكابر في طلبه فطافوا في أطراف المملكة فلم يقفوا له على خبر ولا عثروا منه على أثر فعادوا خائبين . دخول كشتاسب إلى بلاد الروم وأما كشتاسب فإنه سار حتى قرب من البحر . وكان الموكل بالسفن رجلا عاقلا يسمى هيشويَه فسأله مركبا يعبر فيه ، وقال : أنا كانت من أرض إيران ، وأريد الدخول إلى بلاد الروم . فقال : ما أرى شمائل الكتاب . وما أدرك ، لما أشاهد عليك من البهاء والأبهة ، إلا من الملوك ، ولا سبيل لك إلى العبور إلا بأن تصدقني عن حالك أو تعطيني بعض ما معك » . فأرضاه بمال وهبه له وعبر . وكانت هناك مدينة بناها سلم بن أفريذون في طول ثلاثة فراسخ ، وهي مستقر سرير قيصر ملك الروم . فدخلها كشتاسب وبقي فيها مدّة مديدة حتى أنفق جميع . ما كان معه ، وضاقت يده فدخل إلى ديوان قيصر وقال لبعض الأساقفة : إني كاتب من أرض إيران . وسألهم أن يستكتبوه أو يستنيبوه في بعض الأعمال . فنظروا إلى اعضاده الشديدة ، وتفرّسوا في شكله وقوّته ، وقالوا : إن هذا ليبكى قلم الحديد من مخافته ، ويحترق القرطاس من مهابته ، ولا يصلح له إلا فرس يعلوه وسلاح يعانيه » . ولم يقبلوه فرجع مهموما يتنفس الصعداء فصار نحو جويان قيصر وسأله أن يستخدمه فلم يقبله أيضا ، وقال : أنت رجاح أجنبي ولا آمنك على الخيل . فتركه وصار إلى الساربان ، وسأله أن يقاطعه على خدمة الجِمال . فقال : لا يليق بك أن تكون جمّالا . ولو دخلت إلى دار قيصر ورآك لأغناك عن هذا . فاقصد بابه ولا تعدل عنه » . وعزم عليه في ذلك . فانصرف ودخل البلد وهو حزين كئيب فدخل سوق الحدّادين ، وجلس على طرف دكان حدّاد يسمى بوراب فأطال القعود عنده . فاستعرض حاجته . فقال : إن رأيت أن تستعملني في تطريق الحديد فافعل . فإني أقوم به وأغنى غناء حسنا . فأجابه إلى ذلك ، وطرح في النار بيضة من الحديد حتى إذا احمرت وصارت كوهج النار اجترّها ووضعها على السندان ، وأعطاه الفِطّيس فلم يزد على