حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
301
شاهنامه ( الشاهنامه )
ورتب كل واحد منهم في منزلته . فأثنى عليه زال وقال : أيها الملك ! إنه بلغنا أنك حجبت الملوك واعترلت وآثرت الخلوة وانزويت فبادرت حضرتك بعد أن جمعت موابذة تلك البلاد ومنجميها لأقف على حال الملك وما انطوى عليه حتى أسعى في إزالة وحشته وإعادة أنسه . جواب الملك كيخسرو على نصيحة وموعظة زال فقال له الملك : أيها الشيخ الجليل ! اعلم أنى مثلت بين يدي اللّه عز وجل خمسة أسابيع أدعوه وأتضرع اليه وأسأله أن يغفر ما سلف من ذنبي وينوّر قلبي وينقلنى من هذه الدنيا الغرّارة إلى جواره الكريم قبل أن أعدل عن سنن السداد ، ويزيغنى الشيطان عن لَقَم الرشاد مثل من سبق الملوك . والآن قد قضيت حاجتي وأجيبت دعوتي . وقد غفوت البارحة فجاءنى الملك وقال : تجهز فقد حان الرحيل . وقد انقضت مدّتى وبلغتُ أمدى . فاهتم عند ذلك الجماعة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وتنفس زال ٌ الصعداء لما سمع من كلامه فقال : إن هذا الرجل قد اختلط عقله وفسد رأيه . وانى من أوّل عمرى إلى يومى هذا لم أر أحدا من الملوك تكلم بمثل هذا الكلام . وكأن الشيطان قد استحوذ عليه . وينبغي لنا ألا نرضى له بمثل ما سمعنا من كلامه » . فقالوا له : أنت لساننا فجاوبه بما تستصوبه فلعله لا يزيغ عن المنهج اللاحب ، ويعاود ما كان عليه من رسم السلطنة وآيين الملك » . انتقاد زال كلام الملك كيخسرو وتوبيخه له فقام زال وقال : أيها الملك العادل ! اسمع كلام الشيخ الطاعن في السن العالم بتصاريف الدهر ، ولا تستوحش مما يخاطبك به من مرّ الحق ومكروه الصدق اعلم أنك من أحد طرفيك تنتمى إلى أفراسياب الذي كان لا يرى غير السحر في المنام ، ومن الطرف الآخر إلى كيكاوس الذي كان معروفا بشراسة الخلق بين الأنام . وهو الذي ملك ما بين الخافقين واستولى على ممالك المشرقين فأراد أن يصعد إلى السماء . وكم وعظته ونصحته فلم يقبل من ذلك شيئا حتى فعل ولقى ما عُرف . وأما أنت فقد نهضت في مائة ألف مقاتل شاكي السلاح كالأسْد الجياع عند الكفاح فصففتهم وعبيتهم في صحراء خوارزم ثم خرجت وحدك ، وبارزت شيذه بن أفراسياب وترجلت لمصارعته . ولو أعطى الغلبة وظفر بك لم يبق من إيران عين ولا أثر ، ولم يسلم من رجالها ونسائها أحد . فخلصك اللّه تعالى من يده ، وأظفرك به . ثم قتلت الذي كنت تخاف معرته وتخشى بائقته - يعنى أفراسياب - فكان وقت رفاهيتك واستمتاعك بالملك والمملكة وتفرّغك للجلوس على تخت السلطنة . فقلبت الأمر على الإيرانيين بما هو أصعب وللشر أجلب ، فطويت طريق الحق والسداد ، وملت إلى الزيغ والفساد . واللّه عز وجل لا يستحسن منك ما أنت عليه ، ولست تنتفع بما أنت فيه . وإن استمررت على هذه الحالة وأصررت على ما أنت عليه من الجهالة والضلالة لم يدر أحد حولك ،