حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

295

شاهنامه ( الشاهنامه )

الجواهر على الموابذة . وأقاما أسبوعا في بيت النار . وزعم صاحب الكتاب أنهم لم يكونوا يعبدون النار وإنما يعبدون اللّه عز وجل والنار لهم كالقبلة . قال : وأقاموا في أذربيجان شهرا حتى أظفرهم اللّه تعالى بأفراسياب . وقوع أفراسياب أسيرا في يد هوم من نسل أفريدون وكان من خبره أنه لما جرى عليه ما جرى هام على وجهه يجول في البلاد وهو ممتلئ خوفا ورعبا ولم يكن يأمن على نفسه ساعة ، وكان يطلب موضعا يأمن فيه على روحه . فجاء إلى برذعة . [ 1 ] وكان في بعض جبالها المنقطعة مغارة لم يدخلها أحد ، ولم يطأها قط قدم ، بعيدة عن العمرانات قريبة من البحر . وهذه المغارة تسمى هنك أفراسياب فنقل إليها من المأكول ما يقوته ، وتوارى فيها . وكان في ذلك الزمان رجل من أولاد أفريدون عابد منقطع إلى اللّه تعالى يسمى هوماً ، وله في ذلك الجبل متعبد في بعض الكهوف يخلو فيه ويعبد اللّه عز وجل . فسمع ذات ليلة صوت نائح في جنح الليل ينوح باللسان التركي على نفسه ويندبها ويقول مخاطبا لنفسه : يا سيدا ساد الأكابر عزا وشرفا ! ويا ملكا حكم على جميع الملوك نافذا في الشرق والغرب حكمه ، وماضيا في الصين والترك أمره ! أين تاجك وتختك ؟ وأين خيلك ورجلك ؟ وأين تلك الرجولية والبسالة ؟ وأين تلك الرجوعية والبسالة ؟ وأين تلك روعة والبسالة ؟ وأين تلك الروعة والجلالة ؟ كيف انتهت بك الحال إلى أن تعوّضت من جميع الممالك مغارة مظلمة تواريت فيها هاربا من بوائق الزمان وطوارق الحدثان ؟ فلما سمع هو العابد ذلك قال في نفسه : إن هذا الصوت لا يكون غير صوت أفراسياب . فقام وتشمر وخلع العباء الذي كان به متخللا ، وحل زنارا كان في وسطه ، وتتّبع الصوت حتى دخل المغارة فهجم على أفراسياب ، وكتف يديه بزناره ، وشدّ وثاقه ، وأخرجه من المغارة يسوقه مهينا ذليلا بعد أن كان مهيبا جليلا . قال صاحب الكتاب : وما أجدر كل من كان صاحب ملك وجلالة أن يقضى العجب من هذه الحالة ، وفلا يؤثر غير حسن الأحدوثة في الدنيا الفانية ودولها المستعارة . هروب أفراسياب من أسر هوم قال فلما رأى أفراسياب إرهاقه إياه وعنفه به قال له : أيها العابد ! ماذا تريد من رجل اختفى في مغارة ضيقة ؟ فقال له لا ترق دماء الملوك والسادات وأنت في غنى

--> [ 1 ] برذعة بلد في أوّل كان مصرا كبيرا . وعلى تسعة فراسخ منها بلدة اسمها كنجة أو جنزة . وقد تقدّم أن أفراسياب هرب إلى كنكر دژ أي قلعة كنكر . وقلت أنها تشبه أن تكون في بحر قزوين . فقدوم أفراسياب إلى برذعة بعد فراره من كنكر يؤيد ما ظننت عن موقع كنكر ، ويحمل على الظن أن كنكر هي كنجة أو جنزة . وهي من مدن أرّان . وأرّان في الشمال الغربى من آذربيجان يفصلهما نهر الرس . وهي من إرمينية .