حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

282

شاهنامه ( الشاهنامه )

ذكر عبور الملك كيخسرو إلى ما وراء جيحون وما تيسر له من الفتوح بعد ذلك عبور الملك كيخسرو نهر جيحون بحثا عن أفراسياب قال : فعبر كيخسرو جيحون بعساكره مع كثرتها ، وسار . ولم يكن يخلو كل منزل ينزل من طائفة من التورانيين يلقونه ويسألونه الأمان ويتابعونه . ولما وصل إلى السغد أطاعه أهلها ، ونزل بها وأقام فيها شهرا ، ونظر في أحوال عساكره وتفقّدهم ، وفرّق عليهم أموالا كثيرة وأعطاهم عطايا وافرة . ثم ارتحل منها مشرئبا نحو أفراسياب وقاصدا قصده ، وأمر أصحابه بأن يكفوا يد العدوان عن كل من يتلقاهم بالطاعة من أهل تلك البلدان ، وأن يقتلوا من يقاتلهم منها . فامتثلوا أمره ، وكانوا يقصدون القلاع والمدن فما كان منها يمتنع أهلها عليهم سلطوا عليهم يد القتل والنهب ، وعليها يد الخراب والهدم . وقوع النزال ثانية بين الملك كيخسرو وأفراسياب وقطع مسافة مائة فرسخ وذلك دأبهم وصنيعهم ، حتى انتهى إلى مدينة كُل زرّيون فتأهب أفراسياب عند ذلك للقائه وخرج بعساكره . وزحف اليه الملك كيخسرو جموعه وجنوده فالتقوا وقامت الحرب بينهم على ساق ، وجرت وقعة عظيمة . فلما احمر البأس تنحى الملك ونزل ، ونحى التاج عن رأسه وخر ساجدا يدعو اللّه تعالى ويبتهل اليه ويسأله النصر وعلى عدوّه ، فثارت ريح عاصف تحثو ( التراب في وجوه ) التورانيين حتى ملأت عيونهم . وكان أفراسياب إذا رأى واحدا من أصحابه قد انصرف ( من المصاف ) ضرب رقبته . وتتابعت عليهم عصفات الهواء إلى أن جن ّ الليل وقد قتل من الترك خلق وأسر خلق . فانحار كل واحد من الفريقين ونزلوا في مضاربهم وأوقدوا النيران وجعلوا يتصايحون ويشغبون ويدقون الكوسات والطبول . تحصن أفراسياب بجنة كنك قال : وكان الملك كيخسرو قد نفذ من كُل زرّيون رستم لقتال قراخان بن أفراسياب ، وكستهَم لقتال بعض أمرائه . فورد في هذه الليلة البشير بخبر ظفر رستم وأنه لم يفلت من ذلك العسكر غير قراخان وحده . وانتهى الخبر أيضا إلى أفراسياب بما جرى على ولده فركب في جنح الليل وترك مضاربه وخيمه على حالها وهرب . فلما قرب من دار ملكه شاور بعض وزرائه في نزوله فأشار عليه بأن يدخل المدينة ويتحصن بها ، وقال : إن لك مثل هذه المدينة التي طولها ثمانية فراسخ في عرض أربعة فراسخ ، وهي مملوءة بالعدد والأموال والأسلحة ، وعليها سور لا يقدر العقاب أن يعلوه ، يرى من شرفاتها الراجل من مسيرة عشرين فرسخا ، وفيها ذخائر كثيرة ومياه غزيرة فلا تعدل عنها . فاستصوب رأيهم ودخلها .