حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

267

شاهنامه ( الشاهنامه )

أتزوّد منه بنظرة ، وأقرّ عيني بطلعته ولو لحظة . وإذا مت بعد ذلك مت وليس في قلبي حسرة . فإني لم أولد إلا للموت . ومن أدرك أمله فكأنه لم يمت . وأيضا تجتهد فعلك تستطيع أن تحمل هذين العدوّين اللذين أهلكهما اللّه على يدي إلى العسكر . وإن لم تقدر فاحمل رءوسهما وعدّتهما حتى تعرضها على الملك ليعلم أنى ما هلكت في غير شيء » . وأشار له إلى الموضع الذي قتلهما فيه ، وأراه مصرعهما . ولما فرغ من ذلك اعتقل لسانه فاضطرب بيژن على رأسه ساعة ثم وثب بيژن وجاء بفرسه ، وحل حزامه ولببه ، وأخذ لبده وفرشه تحت ، ومزق أذيال قرطقه ولف خرقها على مواضع جراحاته . وركب وأصعد فرأى فرسان الأتراك متفرّقين في الطريق فأسر منهم تركيا ، وأعطاه الأمان . وصار إلى مصرع القتيلين فرأى فرسيهما واقفين عندهما ، فأمر التركي فحملهما على فرسيهما وشدّهما ، وجاء إلى كستهم فأركبه على فرسه وأردفه التركي يمسكه ، وأقبل به سوقه رهوا رهوا رجاء أن يوصله إلى الملك وبه رمق . ذكر وصول الملك كيخسرو واتصاله بعساكره وما جرى بعد ذلك بناء خسرو مقبرة لبيران وغيره من رؤساء توران وقتله كروي بن زره قال : فوصل الملك كيخسرو فاستقبله الإيرانيون ودعوا له وأثنوا عليه ووصفوه بالفضل والعلم والقوّة والشجاعة وغيرها من الفضائل . ووقف زمانا على ظهر الفرس حتى رآه جميع العسكر . ودعا لهم وأثنى عليهم وشكر سعيهم . فجاء جوذرز من بعد ومعه المبارزون العشرة الذين ذكرنا قصتهم . فلما دنا من الملك نزل من سجد له ثم رفع رأسه ودعاه وأثنى عليه ، فأراه القتلى المذكورين ، ونسب كل واحد منهم إلى قاتله . وجاء جيو بن جوذرز بقِرنه الذي أسره وهو كر وقاتل سياوخش ، فنزل الملك في الحال وكشف رأسه وجعل يشكر اللّه تعالى عن أن ظفره به ، ويحمده وهو واقف على رجله . فشكر جوذرز وأصحابه ومدحهم ، وقال : أنتم الآن شركائي في الملك والمملكة . ثم نظر إلى القتلى فلما وقع عينه على بيران بكى وفاضت دموعه لما سلف له اليه من الإحسان ، وتوجع لمصابه وتحرّق عليه كالجمر في التهابه . وضرب له وهو يبكى مثلا فقال : إن الشقاة ثعبان يلتهم الأسد ، ولا ينجو بالرجولية منه أحد . إن هذا طول عمره كان يعتنى بأمري ويتحمل المشاق والمكاره من أجلى ، وكان موجع القلب في وقعة أبى . ثم ملك الشيطان قياده ، وأغواه حتى أنساه رشاده . وكم وعظته ونصحته فما نجعت فيه موعظة ولا نفعته نصيحة . وكنا أردنا أن نجازيه بغير هذا حتى أعدنا له