حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

265

شاهنامه ( الشاهنامه )

وتحقق عند هما قتل أخيهما بيران ومن كان معه ، فوقع فيهما البكاء والعويل ، واجتمع اليهما الأمراء والوجوه فقالا لهم : إن المحذور قد وقع . وأنتم مخيرون بين ثلاث : إما أن تولوا الأدبار منهزمين ، وإما أن تستأمنوا إليهم أذلة صاغرين ، وإما أن تقاتلوا عدوّكم مشمرين عن ساق الجد أجمعين ، وتكونوا منتظرين لوصول المدد من أفراسياب ، فإن بيران كان قد أرسل اليه واستمدّه ، وسيصل المدد عن قريب » . فقالوا : إذا ذهب الراعي تفرّق القطيع . وحينئذ فلا يجدى ما تذكران ، ولا عار في طلب الأمان . وبعد أن جرى ما جرى فسواء عندنا أفراسياب وهذا التراب . فإنه لو كان له شفقة علينا لأغاثنا بنفسه كما أغاث كيخسرو أصحابه » . هروب لهاك وفرشيد إلى توران فعلما عند ذلك أنه فشا فيهم الفشل ، واستولى على قلوبهم الخوف والوجل ، فاختار عشرة من أعيان الفرسان ، وسارا فيهم قاصدين حضرة أفراسياب ، فصادفوا في طريقهم جماعة من طلائع الإيرانيين ، فاعترضوهم وجرى بينهم قتال عظيم فقتل سبعة أنفس من الإِيرانيين والعشرة الذين كانوا معمها من الترك ، وخلصا وحدهما وأخذا في طريق توران . فرآهمما الديدبان فأعلم جوذرز بأن فارس قد ركبا طريق توران يُغدّان السير طردا وركضا . فقال جوذرز : إنهما لا يكونان إلا لهاك وفرشيذ يريدان اللحاق بأفراسِياب . ومتى سلما حتى يصلا إلى توران تضررنا بذلك » . فالتفت إلى أصحابه وقال : من يكسب اسما رفيعا وصيتا جليلا فيلحق بهما ويخنى عليهما ؟ فما أجابه غير كُستهم فإنه قال : أيها البهلوان ! إنك لما خرجت إلى المبارزة أقمتَنى مقام نفسك في العسكر فلم يحصل لي من الاسم ما حصل لغيرى . فانى إذا أنتدب لهذا الأمر . فضحك جوذرز ، وسرّ بقوله ومدحه وأثنى عليه ، واستعجله ، وقال له : تأهب . ودعا له بالظفر خروج كستهم بحثا عن لهاك وفرشيد فوثب كستهم ، ولبس درعه وركب وودع من رأى هناك من أصحابه ، واقتفى أثرهما يطرد كالريح العاصف . فبلغ ذلك بيژن بن جيو فأتى جدّه وأنكر عليه إنفاذه لكستهم وحده إلى فارسين مثلهما في قوّتها وشجاعتهما . فندم جوذرز وقال : من يرافق كستهم ويعينه عليهما ؟ فقال بيژن : أنا ، ولا يتولى ذلك غيرى . فان قلبي يرق عليه وأستحى منه إذا تخلفت عنه » . فمنعه جدّه من ذلك . فأبى إلا المضىّ ، وقال : إن لم تأذن لم قطعت رأسي بهذا الخنجر » . فأذن له عند ذلك . خروج بيژن بحثا عن كستهم فركب وطار بجناح الركض خلف كستهم . فلما بلغ أباه جيوا صنيعه ذلك تبعه حتى لحقه ، وثنى بالعنف عنانه ، وقال : كم تعذبني وتؤذى قلبي ، وكم تلقى بيدك إلى التهلكة ! وجعل يوبخه ويقرّعه ، وهو يأبى إلا الاستمرار في طريقه . وقال لؤبيه : إنه لا يليق بك أن تنسى ما ثبت له على من الحقوق ،