حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

145

شاهنامه ( الشاهنامه )

يبلغه ذلك ولو على لسان واحد من هذا الجمع الكبير . قال : فلما سمع رستم مقالته هذه أظلم نهاره ، وغشى عليه . ثم لما أفاق أقبل عليه برنين وحنين ، وقال له : أخبرني عما معك من علامات رستم - لا عاش ولا عهد من نفره - فقال عند ذلك : إن كنت أنت رستم فإنما قتلتني بسوء خلقك . وكم تعرفت إليك ، وتملقت لك ، فما تحرك عرقاك و . لا لان قلبك . فحل الآن معاقد جوشنى ، وعرّ بدني . فإن أمي حين ودعتني شدت على عضدي خرزة ، وقالت : هذه تذكرة من أبيك ، ولعلك تحتاج إليها . ففعل ذلك رستم . فلما رأى تلك الخرزة رستم في عضده شق جيبه ، وأخذ يضرب صدره ، وينتف شعره ، ويندب ولده . فقال سهراب : قتلت نفسك بيدك . وقد وقع المحذور ، ومضى المقدور ، وليس ينفعك هذا الجزع . قال : ولما زالت الشمس على الإيرانيين ولم يروا أثرا من رستم ركب جماعة من فرسانهم في طلبه . فرأوا في الصحراء فرسين ليس معهما أحد . فحسبوا أن رستم قتل فأسرعوا إلى كيكاوس ، وقالوا : خلت المملكة عن رستم . فاضطرب الإيرانيون وضجوا وأخذوا في البكاء والرنين . وأمر كيكاوس بإعمال البوقات ، وضرب الكوسات . واستحضر طوسا . وقال لهم : طيروا هجينا حتى نؤتى بخبر سهراب . فإن كان رستم قد قتل فقد انقطع رجاؤنا من إيران لإعوازنا من يقاتل بعده هذا العدو . وليس من الصواب أن توقف في مثل هذه الحالة ، والأصواب أن نهجم عليهم ، ونجعل الأمر حملة واحدة . قال : فلما سمع سهراب صياح الإيرانيين وضجتهم قال لرستم : قد تغير الحال الآن بعسكر الترك بسبب ما جرى علىّ . فاجهد كل الجهد في أن تصرف كيكاوس عن قتالهم . فإنهم من أجلى تجشموا المجيء إلى هذه الديار . وكم أمنية كانت لهم معذوقة بأيامى ، وكم حاجة كانوا يرتجون نجاحها في حياتي . وقد خاب رجاؤهم ، وأخفقت ظنونهم . فلا ينبغي أن ينالهم في عودهم وانصرافهم محذور . فانشر عليهم جناح الأمان ، وانظر إليهم بعين الرعاية والإحسان . فركب رستم وأقبل إلى عسكر الإيرانيين ودموعه جارية ، وأنفاسه متصعدة ، محترق القلب على ولده ، وقد قتله بيده . فلما رآه الإيرانيون ترجلوا وسجدوا شكر اللّه تعالى على رجوعه سالما . فلما شاهدوه ممزق الثياب مستعيض الرأس عن التاج بالتراب سايلوه عما به . فأخبرهم بحاله العجيبة ، وقال لهم : إنه لم يبق لي الآن قلب ولا جسد ولا عقل ولا جلد . فلا تقاتلوا الأتراك فقد كفاهم ما جرى عليهم على يدي من الشر . وحضر أخوه زواره وقد شق على نفسه ثيابه . فأرسله إلى هومان وقال : قد أغمد سيف القتال ، وضرت أنت الآن حافظ عسكر الترك ، وهذا زواره قد أمرناه بأن يصحبك حتى تبلغ أنت ومن معك إلى حافة النهر .