حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

112

شاهنامه ( الشاهنامه )

وأسرج الرخش وركبه . الرابع قتل رستم امرأة ساحرة وركب متن الطريق سائرا نحو مقصده . فلما زالت الشمس وصل إلى أرض شجراء معشبة تتدفق مياهها على الرضراض ، وتتسبسب أنهارها بين الرياض . فوجد عندها جاما من الرحيق محمرا كذوب العقيق ، وعزالا مشويا ، وأرغفة وملحا . وكان المكان للسحرة ، فطلع رستم وقد جلسوا على طعامهم . فلما رأوه تركوه وفرّوا . فقعد وأكل من طعامهم حتى شبع . ورأى هنالك عودا فأخذه وجعل يضرب به ويغنى بما ترجمته نظما : نصيبي من الأطراب قل ّ وإنما * نداماى ما بين الحروب الضراغم رحيقى دماء الكاشحين أريقها * وأقداحها وقت الصبوح الجماجم فسمعت امرأة ساحرة غناءه . فتزينت له وتبرجت وجلست اليه تسايله عن حاله ، وتستخبره عن حله وترحاله . ثم إن رستم ذكر اللّه تعالى فتغير وجه الساحرة واسودّ . فلحظ ذلك منها رستم فرمى بالحبل في حلقها ، وأوثقها فباتت في القيد عجوزا شوهاء . فاخترط السيف وقدّها بنصفين . الخامس وقوع أولاد في أسر رستم وركب وسار في طريقه حتى وصل إلى طريق مظلم قد تراكم ظلماؤه ، وتدانت أرضه وسماؤه . حتى ليس يرى فيه شمس ولا قمر ، ولا نجم ولا شجر . فأرخى عنان فرسه ، وخاض لجة تلك الظلمة ، وسار يخبط خبط عشواء حتى خرج إلى الضوء . فرأى أرضا مخصبة مخضرة الأرجاء والأكناف . فخلع الجام فرسه وأرسله يرعى في قصيل هناك . فألقى مغفره ، وخلع خفتانه لابتلاله بالعرق ، وبسطه في الشمس ، واتكأ يستريح . فجاء ناطور تلك الصحراء ، وصاح على رستم ، وضرب بعصا كانت معه على رجله . وأمره أن يمسك فرسه عن الزرع . فقام وأخذ بأذنيه واقتلعهما من أصولهما . وكان ملك تلك الناحية يسمى أولاذ . وكان قد خرج إلى الصيد في ذلك اليوم . فحمل الناطور أذنيه يعدو هاربا إلى أولاذ ، وقص عليه القصة . فثنى عنانه وأقبل فيمن معه من أصحابه نحو رستم . فلما رآه رستم من بعيد ألجم رخشه ، وعلاه ، وانتضى صمصامه ، وأنحى نحوه . فلما تقاربا ناداه أولاذ وقال : من أنت ؟ ومن أين أقبلت ؟ وكيف تجاسرت أن تطأ هذه العرصة ؟ فقال له رستم : أنا الذي لو نقش اسمى على الأرض لأنبتت سيوفا وأسنة . وإن مر ذكرى بسمعك انقطع نفسك ، وجمد في قلبك دمك . وإن كل أم تلك مثلك فلست أسميها إلا نائحة ثكلى . أتعترض بين يدىّ في أصحابك ، وتوعدني ببأسك ، وتدل بقوّة مراسك ؟ ثم حمل عليهم ووقع فيهم كما يقع الأسد الهائج بين قطيع الغنم . فتساقطت رؤوس أصحاب أولاذ تساقط ورق الشجر أيام الخريف إلا من تفرّق منهم بين الأودية والشعاب . وهرب أولاذ فركض رستم خلفه حتى إذا دنا منه رمى بالوهق في حلقه ، وقبض