حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
107
شاهنامه ( الشاهنامه )
شاهد الملك متربعا على سريره الباهر ، ومطرفا كالهزبر الصاخب تكلم مفتتحا بالدعاء والثناء عليه . ثم قال أيها الملك : إنا رأينا قبلك الملوك ، وبلغتنا أخبار الملوك فلم يبلغنا أن أحدا منهم تعرّض لبلاد مازندران . لكونها مأوى الشياطين ، ومواطن السحرة ، ولا سبيل إلى فتحها بالسيف والسنان ، ولا بكنوز الفضة والعقيان . ولعل الأصوب أن يرجع الملك عن هذا العزم ويضرب عنه صفحا ، ويطوى يدونه كشحا . فقال له الملك : إنه لا غناء بنا من رأيك الصائب وفكرك الثاقب . ولكن لا يخفى أنا أكثر رجالا ، وأوفر ما لا ممن ذكرت من الملوك الذين لم يتجاسروا على قصد مازندران . وليس لما بد من قصدها والتغلب عليها . وكأنك وقد بلغك تملكنا أقطارها ، وتوغلنا ديارها . فكن أنت وولدك رستم جلسى ممالكنا متيقظين في حراستها وحياطتها . واللّه تعالى ناصرنا وممكن من عدوّنا . فإذ لم نكلفك التجشم لمعاضدتنا ومعاونتنا فلا تشيرن علينا بالتثبط من أمرنا . قال : فلما سمع زال مقالة الملك هذه علم أنه تائه في غوايته ومترد في مهاوى عمايته . فقال له : أنت الملك ونحن العبيد الناصحون لك . ولا بد لنا من امتثال أوامرك واتباع مراسمك . سواء كنت على حق أو على باطل . غير أنا أشرنا
--> وهواء مازندران رطب ومطرها غزير . وهواؤها وخم لكثرة مستنقعاتها قرب الساحل . يقول ياقوت : « وهي كثيرة المياه ، متهدّلة الأشجار ، وكثيرة الفواكه . إلا أنها مخيفة وخمة ، قليلة الارتفاع ، كثيرة الخلاف والنزاع » . ولهذا يصاب أهلها بالحمى والرثية وأمراض العين . وهواء البطائح يبيّض أجسامهم ولذلك سموا - فيما يقال - الجن البيض . وهم على هذا أقوياء شجعان . وهم خير الجند الإيراني . ويقول ياقوت : « إن أهل تلك الجبال كثيرو الحروب وأكثر أسلحتهم بل كلها الأطبار حتى إنك قل أن ترى صعلوكا أو غنيا إلا وبيده الطبَر صغيرهم وكبيرهم » . وفيها كثير من السباع مثل النمر والفهد والدب والذئب . والطريق من إيران إلى مازندران شعاب قليلة وعرة ضيقة عالية . فالطريق السائرة إلى مازندران شرقي طهران على مسيرة سبعين ميلا منها ليست إلا شعبا سعته أذرع قليلة ، يسيل الماء على جوانبه ، وينفسح أحيانا عن أودية ومغارات . وكان متصيد ملوك إيران إلى عهد قريب . وهناك طريق أخرى قرب فيروزكوه وأخرى من استراباد .