حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

76

شاهنامه ( الشاهنامه )

قد أقبلت بالطائر الميمون كسحابة شآبيبها قصب المرجان ، أو روضة شقائقها من العقيان . ولما دنت خرّ زال ساجدا يقبل الأرض ويذرى الدمع . فنادته العنقاء وبشرته بسلامة صاحبته ، وأنكرت عليه الجزع ، وقالت حاش لعيون الأسود أن تنضح برشاش المدامع ، ومعاذا لناكب الأطواد أن تتزلزل بالرياح الزعازع . إنه سيصحر من أجمة هذه اللبوة شبل أغلب ، تقبل سود الأسود مواطئ قديمه ، ولا يجترئ السحاب المكفهر أن يمرّ عليه . تتشقق جلود النمور دون غرار هيبته ، وتستل بأنيابها مخالبها مخافة سطوته . ثم قالت تأخذ بإذن اللّه تعالى حديدة حادة وتدفعها إلى آس حاذق أخذ يد القميص ويعل الحاملة بأرطال من سلاف العقار حتى يملك السكر عنان حواسها . ثم يشق الحكيم بتلك الحديدة خاصرتها ويستخرج منها الولد . ثم الشق ويرتق الفتق . ثم يؤخذ حشيشة كذا وكذا ، وتدق بلبن ومسك ، وتجفف في الظل وتسحق . ثم تذر على موضع الشق . وتمرّ عليه ريشة من جناحي الميمون . فهنالك يسهل جميع الحزون . ولا تستهولن ذلك ، وأطلق لسانك بشكر اللّه تعالى حيث آتاك شجرة ناضرة تثمر لك كل يوم ثمرة يانعة . ثم نزعت ريشة من جناحها ورمت بها اليه وطارت في السماء ، وحلقت نحو تلك القلة الشماء . فبادر زال إلى تلك الريشة وأخذها ، وأعدّ جميع ما أشارت به العنقاء من الأدوية . والخلق مجتمعون يقضون العجب من تلك الحالة . كيفية تسميته برستم وما جرى بعد الولادة ثم جاءوا بموبذ خفيف اليد أحذق أهل زمانه في صناعته . فسقى روذابه من المدام الصرف أقداحا حتى سكرت وخرت صعقة لم تحس بشيء . فاستل تلك الحديدة وشق خاصرتها ثم استخرج منها بخفة وسرعة يد ولدا لم ير مثله قط . قد صوّره اللّه تعالى على خلقة تعجب العيون الذهب والجوهر وبقيت أمه على حالها مغشيا عليها يوما وليلة . ثم أفاقت بعد ذلك فنثروا عليها الذهب والجوهر ودعوا اللّه تعالى وحمدوه على ما أسد إليهم . ثم قدّموا الطفل إليها كأنه ابن عشر سنين . فلما رأته تبسمت ضاحكة وقالت برستم أي قد خلصت . فسمى الصبى « رُستَم » . قال : فخاطوا على قدّ ذلك الطفل العزيز تمثالا من الحرير وحشوه بوبر السمور . وصوّروا وجهه كصورة الشمس . وركبوا عليه أعضادا كأنها الثعابين . وجعلوا له أظافير كبراثن الأسود . وشغلوا إحدى يديه بالجرز مرفوعا إلى كاهله ، والأخرى بعنان فرس أركبوه عليه محفوفا بخدم مكنوفا بخول وحشم . وأثاروا هجينا ونفذوا التمثال إلى سام . قال : وبلغ الخبر إلى مهراب فاستهز الطرب أعطافه ، وكساه السرور أفوافه . واتخذ الناس من أوّل أراضي كابل إلى آخر حدود زوال تلك الأيام أعيادا ، مواسم سرور وفرح