حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
34
شاهنامه ( الشاهنامه )
القريبة ؟ فأمر الملك برد ولده عليه ، واستعطافه بالإحسان اليه . ثم قدم ذلك المحضر اليه ، فأمر أن يكتب شهادة فيه . فلما قرأه ورأى خطوط العلماء والزهاد والعباد مثبتة فيه أقبل على الحاضرين ، وقال يا علماء السوء ، ويا أعداء الحق ، ويا أهل النار أتشهدون بالزور لهذا الظالم الفاجر ؟ ومزق المحضر ، ورماه في وجوه القوم ، ورفع صوته ، وخرج من الإيوان يستغيث ويصبح ، وتبعه من أو باش البلد والمظلومين خلق كثير . وكان هذا الرجل يسمى جاوه وكان حدّاد فجاء إلى الدكان وأخذ قطعة جلد يغطى بها الحدّاد قدمه عند تطريق الحديدة المحماة ، ورفعه على رأس عصا شبه العلم . فاجتمع تحت رايته خالق كثير ، وسواد عظيم ونادوا بشعار أفريدون . نعم فلما أخبر الضحاك بذلك قال : لما دخل علىّ هذا المتظلم رأيت كأن جبلا من الحديد حال بيني وبينه . وقد أوجست في نفسي منه خيفة قلقت أحشائى ، وشغلت خاطري . وما أرى ذلك إلا من علامات زوال ملكي ، وانقلاب حالي . ولعل شمس دولتي قد آذنت بالغروب ووجه حظى علته يد الشحوب . قال فخرج جاوه بمن معه من المنادين بطاعة أفريدون يطلبون مقرّه ، ويتبعون أثره . فلما قرب من أفريدون في ذلك الجم الغفير والعدد الكبير تهلل وجهه فرحا وبشرته السعادة أن تباشير صبح دولته همت بالطلوع ، وتيمن بتلك الراية المنصورة . وكانت تسمى دِرفش جاوِيان وكان ملوك الفرس يتوارثونها ويتيمنون بها ، ورصعوا ذلك الجلد باللآلئ واليواقيت ، وعلقوا عليه علائق الديباج والحرير . وصارت تلك الراية آية بين ملوك الفرس كأنما أنزلت في شأنها آيات الظفر والفتح . فما رفعت في معركة الا والسعادة ترفرف عليها بالأجنحة والإِقبال يضرب تحت ظلالها بالجران . وسيأتي ذكرها في مواضعها من الكتاب . ذهاب فريدون لحرب الضحاك قال ثم إن أفريدون جاء بعد مدّة من الزمان إلى أمه كالليث الكاشر ، والعقاب الكاسر . وقال الهمة صاعدة والعزيمة مصممة على النهوض إلى مخيم هذا الثعبان للانتقام ، وكف عاديته عن سائر الأنام . وكان له رفيقان من أولاد المرازبة مخصوصان برزانة الرأي ، ورصانة العقل . فشاورهما في أمر القتال ، وأمر هما بإحضار الحدّادين لاتخاذ ، عدّة اخترعها بعقله ، واستحدثها بفكره . فجاءوا بأحذق الصناع وأذكاهم في صنعة آلات الحرب ، فنقش على الأرض صورة بقرة وأمر أن يعمل