الشيخ محمد السند

65

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

لحجّته على خلقه تمييزاً له على بقيّة خلقه فاستكثروا ما رأوا بهذا العبد من نعم اللَّه تعالى ، وأنّ خطأهم الأوّل هذا دفعهم إلى الخطأ الثاني من حسبان هذه الصفات والأفعال هو للإله والخالق ومن ثم قال عليه السلام : « فاستكثروا ما رأوا بهذا العبد من نعم سيّده » وهو يشير إلى الخطأ الأول . وقوله عليه السلام : « فصغر عنده خالقهم أن يكون جعل علياً له عبداً » يشير إلى خطأ الغلاة الأول أيضاً من استعظام هذه الصفات واستكثارها من جانب ، ومن جانب آخر تصغيرهم الخالق عن أن يكون فوق هذه الصفات والأفعال وفوق صاحب هذه الصفات والأفعال . ومن ثمّ فإنّ أزمة الغلاة هي استعظام هذه الصفات وتصغير قدر اللَّه ، أي أنّ الغلاة رغم إفراطهم في التعمّق في المعرفة والتوسّع في آفاقها ، إلّاأنّهم ضاق أفقهم وهبطت معرفتهم وقصرت عن إدراك فوقيّة الباري تعالى على كل ذلك ، فإنّ هذه الصفات مهما تعاظمت فإنّها شؤون دون أعلائية الباري جل جلاله ولذا قال تعالى : « سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ » « 1 » ، وقال : « سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ » « 2 » إلى غير ذلك من الآيات التي تنزّه الباري تعالى عن تلك الصفات رغم تعاظم تلك الصفات والشؤون في أعين البشر سواء الغلاة أو المقصّرة ، فإنّ كلا الفريقين وقع في شراك هذا الانزلاق وهو الخطأ الأول الرئيسي ، ولم يتفطّنوا أنّ البشر لا يقدر على صفة اللَّه وشؤونه إلّابما وصف اللَّه تعالى به نفسه ، وأما تلك الصفات والشؤون التي استكثروها وتعاظموها فهي دون الباري تعالى وهو عزّ شأنه فوقها وحينئذ قام كلّ من الفريقين تارة بتصغير قدر اللَّه عز وجل عن أن يكون فوق ذلك ، أي يكون فوق صاحب هذه الصفات وهو عليّ عليه السلام وأكبروا علياً عن أن يكون فوقه ربّ مالك له ولشؤونه فوسموه بالربوبية والألوهية وهؤلاء هم

--> ( 1 ) . الأنعام : 100 . ( 2 ) . الصافات : 180 .