الشيخ محمد السند

305

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

وقد أشار عليه السلام في مكاتبته للمفضّل بن عمر إلى أساس بزوغ هذا الخطأ المنهجي والشذوذ الذي سبّب التمادي فيه فيما بعد ، فجوة عظيمة وكبيرة . فإن الانحراف عن الطريق المستقيم يبدأ يسيراً ثم لا يزيده كثرة السير إلّابُعداً عن الطريق الصحيح كما ورد في الصحيح عن أبي عبد اللَّه عليه السلام يقول : العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلّابُعداً « 1 » . وقد مرّ بيان ذلك في الفقرات السابقة من المكاتبة وفيها أمور أخر نبّه عليها الإمام عليه السلام . فهذا التطرّف في باطن الحقائق والأمور على حساب التفريط في الظاهر - أي بنحو يؤدّي إلى التهاون بحدود ظاهر الشريعة - أدّى إلى جملة من الشذوذات في السلوك الفقهي . وهذا نمط من التطرّف والخروج عن حدّ الاعتدال والتوازن الذي هو من أنماط الغلو ، لا أنّ ذات المقالة في المعارف التي تبنّوها هي في أصلها خروج عن الحدّ ، ومن ثمّ أكدت الوصية النبوية من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إنما العلم ثلاثة : آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة « 2 » حيث بيّن صلى الله عليه وآله وسلم عدم حصر العلم في أحد الثلاثة بل التوازن والتعادل لا يحصل إلّابالتضلّع في الثلاث . وفي الكافي بسند صحيح عن أبي عبد اللَّه عليه السلام يقول : لا يقبل اللَّه عملًا إلّابمعرفة ولا معرفة إلّابعمل ، فمن عرف دلّته معرفته على العمل ومن لم يعمل فلا معرفة له ، ألا أنّ الإيمان بعضه من بعض « 3 » . وهذه ظاهرة تتكرّر في التيار الذي يقف على أسرار المعارف ، وهي وإن لم تكن ظاهرة متفشيّة في جميع رموز هذا التيّار ونماذجه ، إلّاأنّها ظاهرة متفشيّة في الكثير منه ، فتراهم بسبب الوقوف على الكثير من المعارف الشامخة وذات الغور

--> ( 1 ) . الكافي 1 / 43 . ( 2 ) . الكافي 1 / 32 . ( 3 ) . الكافي 1 / 44 .