الشيخ محمد السند

113

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

وفي الرواية إشارة إلى أنّ أسرار المعارف وغوامضها هي جملة من مقاماتهم عليهم السلام التي أعطاها اللَّه إياهم مما لا يتحمّله عموم العامّة ويحسبون أنّه خرق للناموس الإلهي وغلوّ في أئمة أهل البيت عليهم السلام عن مقام البشريّة ، أو أنّ ذلك قول باستقلالهم في القدرة الغيبيّة من دون مشيّة اللَّه عز وجل . وهذا ما يؤكّد أنّ طعن العامّة على جملة من الرواة بادعاء الألوهيّة والنبوّة منشأه مثل هذه الأمور الّتي لا يستوعبها تصوّراتهم الاعتقادية ومبانيهم في المسائل الكلاميّة . هذا مضافاً إلى حميّتهم وعصبيّتهم وردّة الفعل التي لديهم تجاه تبرّي أولئك الرواة من أبي بكر وعمر ، بل إنّ في نشر المعارف العالية دلالة على بطلان وزيغ من تقلّد الخلافة بغير نصّ إلهي . وروى سعد بن عبد اللَّه الأشعري بسند مصحّح عن أبي أسامة زيد الشحّام عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : قال أمر الناس بخصلتين فضيّعوهما فصاروا منها على غير شيء : الصبر والكتمان « 1 » . وهاتان الخصلتان - كما سيأتي - هما اللتان أخفق فيها عبد اللَّه بن سبأ والمغيرة وأبو الخطاب وأمثالهما ، فقاموا وانطلقوا بثورات سياسية بنحو عفوي اندفاعي غير مدروس كما بثّوا أسرار وغوامض المعرفة مما أوقعهم في الانزلاق في شطط وشذوذ وسبّب انحراف اتباعهم اللاحقة فيما بعد . الجدلية بين حرمة الإذاعة وحرمة الكتمان نشر معارفهم عليهم السلام - والتي هي المعارف الدينية - وقعت بين جدليّة ثنائية تتجاذبها بين قاعدة حرمة إذاعة أسرارهم ، وبين قاعدة « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ » « 2 » التي هي بلسان لأن يهدي اللَّه بك رجلًا خير لك ممّا طلعت عليه

--> ( 1 ) . مختصر البصائر / 280 / 280 . ( 2 ) . النحل : 125 .