الشيخ محمد جواد البلاغي

57

الهدى إلى دين المصطفى

والمتعرب سمع من بعض المفسرين أنهم يقدرون في الآية ، مثل واعظ الذين كفروا ، ويجعلون سوق الآية لتشبيه وعظ الواعظين بالنعيق ، والذين كفروا بالأنعام التي ينعق بها ، فقال المتعرب ( ذ ص 93 ) هذا التمثيل لا معنى له ، وكان الوجه أن يقول ، ومثل الذي يعظ الكفار أو يدعوهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع . ولا ألوم المتعرب إذ لم يعقل المراد من الآية ، ولم يدر ما يلزم في تقديره من الفساد ، أفلا يتدبر أنه حاشا لله وبلاغة القرآن أن يصف وعظ الواعظ الهادي وإرشاده الشافي بالنعيق المهمل . ويعيب إرشاده بعيب غيره بل حاشا كل من يعرف مواقع الكلام من ذلك ، هب ذلك ولكن المثل الشريف حينئذ يخطئ مرماه ويلغو معناه . فإن الناعق بالأنعام طالما ينجح بنعيقه بها ويندر أن لا تجيبه بإقبالها وانزجارها وإن كان نعيقه مهملا ، وأين ذلك من خيبة واعظ الكفار الذين حرنوا على اتباع ما ألفوا عليه آباءهم . وأما اعتراض المتعرب على قوله تعالى في سورة البقرة 276 ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) . حيث قال ( ذ ص 93 ) ، وكان الوجه أن يقول : إنما الربا مثل البيع . فيكفي في رده أن القرآن كلام الله الصادق قد حكى ما قاله آكلوا الربا على وجهه ، لا كالأناجيل التي تنقلب في نقلها الواقعة الواحدة حسبما تقتضيه الغفلة وغيرها . كما ذكرنا بعضه في الجزء الأول في ( صحيفة 252 - 257 ) ولا كالعهدين الذي يختلف منهما الحاكي والمحكي اختلافا فاحشا ، كما سنذكر بعضه إنشاء الله في المستقبل القريب . ولا علينا أن نقول : إن اعتراضهم إنما هو النقض على الشريعة بحل البيع لتوهمهم أن العلة في تحريم الربا موجودة فيه فهو مثل الربا ، فلماذا أحل مع تحريم الربا ، وهذا النحو من الاعتراض يستلزم هذا التعبير . وأما اعتراض المتعرب على عربية القرآن باستعماله بعض الألفاظ التي يدعي أنها عجمية في الأصل : كالسندس ، والإستبرق ، والأباريق ، والنمارق