الشيخ محمد جواد البلاغي

58

الهدى إلى دين المصطفى

والقسطاس ، والفردوس . فنقول : إن من المعروف في جميع اللغات أنها قد تتداخل وتنقل اللفظة من لغة إلى لغة أخرى فتكون بهذا الأخذ في اللغة الثانية كسائر موضوعاتها الخاصة ، وقد كثر ذلك في الأسماء في كل لغة ، فالذي ينقل من لغة إلى اللغة العربية يسمى معربا ، أي صار عربيا بعد أن كان غير عربي ، وذلك كغالب أسماء الأنبياء ، فلا يلزم بعد ذلك في فصيح العربية اجتنابها ، بل إن الألفاظ المعترض بها لا مناص في الفصاحة والبلاغة وحسن البيان عن استعمالها لأنك تعلم أن مثل السندس ، والإستبرق ، والنمارق ، والقسطاس الذي هو ميزان خاص مبني على الدقة ، كل هذه لم تكن من صناعة العرب ولا متداولة عندهم ليضعوا لها الأسماء من لغتهم ابتداء ، بل لم يكن يستعملها إلا ملوك الحاضرة ومترفوهم ، فاكتفوا في تسميتها في لغتهم بتعريب أسمائها ، فلا يمكن البيان عن حقائق مسمياتها إلا بأسمائها ، ولو عدل عن أسمائها المذكورة إلى نحو آخر من التعبير لما تيسر بيان المسميات على ما ينبغي ولو بطول الكلام الفارغ ، فاعتبر بما إذا جاء في بليغ الكلام الإنكليزي ( سلدين ) أي صلاح الدين و ( جبرلتار ) أي جبل طارق ، و ( ارابيك ) أي عربي ، فهل ترى مميزا يعترض على انكليزية ذلك الكلام بوجود هذه الألفاظ المأخوذة من العربية أو يقول ، كان يلزم في بيان معانيها ومسمياتها أن تستعمل الألفاظ الانكليزية الأصلية ، وإن أدى إلى التطويل والهذر ، كلا . وأما دعوى المتعرب أن الملة ، والسكينة ، والمثاني ، والمائدة مأخوذة من اللغة العبرانية فهي دعوى ناشئة من فلتات الجهل وبوادر العصبية . وأما اعتراضه على القرآن الكريم ( ذ ص 85 ) بأنه يوجد فيه كثير مما تنافرت حروفه نحو فسبحه ، ومن يسمعها ، ومن يكرههن ، وإذ سمعتموه وإذ زاغت . فقد تلقن دعوى التنافر فيه من أعاجم يعسر عليهم النطق بالحاء والعين والذال ، وما أشبهها ، بل تراهم يتلكؤون في النطق بالكلمات العربية ، وإن كانت حروفها متداولة بينهم .