الشيخ محمد جواد البلاغي

353

الهدى إلى دين المصطفى

وشدد أيضا بالتعليم بالخضوع للسلاطين القائمة معللا بأنها من الله ومرتبة منه ، وأن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله لأنه خادم الله للصلاح يلزم أن يخضع له بالضمير ويوفي الجزية لأنه خادم الله ، وأن تعطى الجزية لمن له الجزية ، والجباية لمن له الجباية ، والخوف لمن له الخوف يعطى الجميع حقوقهم هذه ( رو 13 ، 1 - 8 ) . وهذا التعليم لأهل رومية الذين هم تحت سلطان قيصر ، وأن القياصرة في الوقت المجعول له هذا التعليم قد كانوا وثنيين ، وأعداء للملة النصرانية مضطهدين لمن ينتسب للمسيحية ، وكل من يعتبر تلك الحال يعلم أن هذا التعليم قد تعدى إلى الإفراط الفاسد ، نعم لو كان بغير هذا الأسلوب لأمكن أن يجري على وجه صحيح . ومضمون نقل الأناجيل عن المسيح هو أن الجزية ليست حقا للقياصرة ولا يجوز إعطائها لهم ، وذلك أن اليهود نصبوا له شبكة في سؤالهم عن إعطاء الجزية لقيصر لعلمهم بأنه لا يجوز ذلك فأرادوا أن يجاهر بذلك فيجعلونه ذنبا عليه عند قيصر والوالي ، فعلم بمكرهم وخبثهم فلجأ إلى التقية والحياد عن الجواب بالمنع ولكنه مع ذلك سلك مسلك التعمية والايهام في الجواب فأخذ دينارا فقال : لمن هذه الصورة ؟ فقالوا لقيصر فقال أعطوا ما لقيصر وما لله لله ( مت 22 ومر 12 ولو 30 ) ، فجمع بين التقية والتخلص من مكرهم وبين عدم المجاهرة بمخالفة حكم الله ، فتلطف وعمى في الجواب ، ولكنه لما أمر بطرس بإعطاء الجزية عنهما بين له أن إعطائها لهم لئلا يكدرهم ويحملهم على العثرة به ( مت 37 ، 27 ) . وأين هذا من التعليم المتقدم الذي يجعل الجزية حقا لقيصر ، أفلا ترى محاباة السلطان وخدمة أفكاره لائحة أو ظاهرة على تطرفه ومغالاته ، أم تقول إنه تعليم سلطاني ؟ وقد حث العهدان على السلام ، ففيهما أحبوا الحق والسلام ( زك 8 ، 19 ) ، طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون ( مت 5 ، 9 ) وأن ملكوت الله بر وسلام ( رو 14 ، 17 ) وهو من ثمار الروح ( غل 5 ، 22 ) ومن