الشيخ محمد جواد البلاغي
288
الهدى إلى دين المصطفى
بن سيرين ( فإن عادوا فقل ذلك لهم ) ، وفي مرسلة الكشاف ( مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ) . وفيما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس لم يذكر من ذلك شئ بل مقتضى الرواية المذكورة أنه لا محل لشئ من هذا القول ، فإنها تذكر أن عمارا أخبر رسول الله ( ص ) بما جرى له حينما لحقه في هجرته إلى المدينة دار المنعة والأمن من عود المشركين إلى تعذيب عمار وإكراهه . . وأما النقل لما قاله عمار للمشركين فهو مضطرب أيضا ، ففي رواية ابن عباس أن عمارا قال للمشركين كلمة أعجبتهم تقية . وفيما روي من طريق أبي عبيدة سب النبي ( ص ) وذكر آلهة قريش بخير ، وفيما عن السدي أن عمارا وخبابا أخذهما قريش وعذبوهما حتى كفرا ، وفيما عن قتادة أن بني المغيرة غطوا عمارا في بئر وقالوا : أكفر بمحمد ( ص ) فاتبعهم على ذلك وقلبه كاره ، وفي مرسلة الكشاف أن عمارا أعطى قريشا ما أرادوا بلسانه ، وغاية ما يتفق عليه هذا النقل المضطرب هو أن عمارا نال من رسول الله ( ص ) بلسانه وهو مكره ملجأ ، وعلى فرض صحة ذلك ، لنا أن نقول إن فلسفة الإيمان ونشر كلمة الحق وإعلاء كلمة الدين تقتضي أحوالا مختلفة بحسب اختلاف الوقت ومصلحته ومناسباته ، فرب وقت لا يسع فيه إلا الملاينة والإبقاء على أنفس المؤمنين الداعين إلى الحق ليتلطفوا في نشر الدعوة بالرفق والمطايبة إلى أن تسنح له الفرصة إلى نشرها بالحزم والجد ، وذلك حيث يأمنون بحسب العادة من استئصالهم الموجب لانعدام أنصار الدعوة ، فإن الغرض في مثل هذه الأمور ليس مجرد تسليم النفوس للهلاك وإنما هو النهضة لإعلاء دين الحق ببث الدعوة وكسر شوكة الضلال بتعاضد الأنصار ، فربما لا يمنع العقل ولا الشرع من بعض أنحاء الملاينة والمداراة من بعض الأشخاص في بعض الأحوال إذا كان الحزم والشدة فيها هادمين لبنيان الدعوة مضعضعين لأساسها ، نعم لا يجوز للنبي معلم الدعوة أن ينكل عنها وينكرها أو يبدل في تعليمها بحال من الأحوال ، وإنما له في فلسفتها أن يتمهل في الجد في تكرارها ويتلطف في أمرها إلى أن تسنح له الفرصة في إجرائها بالحزم والشوكة ، فنقول بناء على