الشيخ محمد جواد البلاغي
289
الهدى إلى دين المصطفى
الرواية والسيرة المعلومة أن عمارا قد أخذ في أمر الإيمان ونصرة الحق بمجامع الحكمة وأعطى كل مقام حقه بحسب حاله ، فإنه رجح الملاينة مع المشركين بكلمة يوري بها في شأن رسول الله ( ص ) وذلك حيث كان محتقرا بين المشركين يعلم أن قتله لا يجدي في قوة الدعوة ولا يهيأ لها ثأرا تعتز بطلبه ، بل إنما ينقص قتله من عديدها ، ومع ذلك فقد رهقه الوجل مما قال وجاء إلى رسول الله ( ص ) باكيا . ولعل هذا الحال أحسن أثرا في نصرة الدعوة من قتله في تلك الحال ، ولكن لما قويت شوكة الحق وكثرت دعاته وعلم أن قتله إن لم يشيد كلمة الحق لا يضعضعها أخذ حينئذ بالحزم والشدة بحدي سيفه ولسانه . . هذا ولو صح من الرواية أن رسول ( ص ) قال لعمار : إن عادوا فعد لهم بما قلت لكان ناظرا إلى مثل الحال في إكراه عمار وأن يقول مثل ما قال مما تصلح التوراة فاسدة . وقد بينا أن حكمة الدين قد تقتضيه ويرضاه الله لأجل إعلاء دينه ولم يكن ذلك تجويزا للكفر باللسان مطلقا ولا تعليما به ، ولكن جاء في إنجيل المتكلف عن قول المسيح كل خطيئة وتجديف يغفر للناس ، وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس ، ومن قال كلمة علي ابن الإنسان يغفر له ، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له ( مت 12 ، 31 و 32 ) . ولا تلتفت إلى تشبث المتكلف للمنع من ذلك مطلقا بما نقله عن قول المسيح : من ينكرني قدام الناس أنكره قدام ملائكة أبي في السماوات ، فإنه لا بد أن يحمل الإنكار على إنكار المسيح حقيقة كمن شرح بالكفر صدرا ، ولا يمكن عمومه للكفر بالمسيح وإنكاره باللسان ، وإلا كأنه هذا الكلام المنقول عن المسيح كاذبا بمقتضى العهد الجديد . فإن الأناجيل اتفقت على أن بطرس أنكر المسيح وصار يحلف ويلعن مع أن المسيح أنذره بذلك وهو قد عاهد المسيح على أن لا ينكره ، ومع ذلك فالعهد الجديد يقول : إن المسيح بعد ذلك بأيام قلائل سلم إليه رعاية الكنيسة ( يو 21 ، 15 - 18 ) . ومن الظرائف أن المتكلف لم يكتف باختلاف متى ولوقا في نقلهما