الشيخ محمد جواد البلاغي

22

الهدى إلى دين المصطفى

بالقرآن والرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن كل أحد يعلم أن الوفاء بالعهد ، وإن كان خلقا حسنا إلا أنه يتصف به المؤمن والمشرك والشجاع والجبان . ولكن الصبر المذكور في الآية لا يتصف به إلا خاصة الأبرار وعيون الرجال ، وأما تعريضه بنبذ العهد في سورة براءة ، فإن كل من له أدنى إلمام التاريخ الاسلامي لا يجهل أنه قد وقعت الموادعة في عام الحديبية بين رسول الله وبين قريش وأحلافهم ، وتصالحوا على ترك الحرب مدة بشروط وروابط منها عدم التعرض للإسلام والمسلمين ، ومن دخل في عهد رسول الله ، ودخلت ( خزاعة ) في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودخلت ( بكر ) في عهد قريش ، ثم غدرت بكر وظاهرتهم قريش ، فنقضوا الصلح والموادعة وعدوا على خزاعة فقتلوهم ، فقدم مستغيث خزاعة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال فيما قال : لا هم أني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا وقد ترجم المتعرب هذه الوقائع من نقل ( سايل ) لها ( ق ص 103 و 107 ) فكان هذا النكث من المشركين موجبا لانحلال عقدة الموادعة مع الناكثين عرفا وشرعا ، فإن كل متعاقدين على شروط وروابط قد تبانيا في عقدهما على أن نكث أحدهما حال للعقد ومحلل للآخر من ذمته ، ولولا ذلك لما كان معنى لجعل الشروط والروابط في المعاهدات ، وإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى طريقة الملوك والسوقة في معاهداتهم ، وانظر إلى ما يذكره العهد القديم في معاهدات الله مع بني إسرائيل ( خر 3 : 17 و 9 : 5 و 6 ) ومع داود في مملكته ( 2 صم 7 : 16 وخر 89 : 28 - 37 ) . وانظر إلى نبذ هذه العهود ( عد 14 : 21 - 24 ومز 99 : 38 - 45 وار 7 : 23 - 30 و 11 : 2 - 9 و 14 : 21 ) ، فإن هذا كله إنما يصح على ما ذكرناه .