الشيخ محمد جواد البلاغي

186

الهدى إلى دين المصطفى

وهذا أيضا من بوادر الغرور ، أما ( أولا ) فإن العهد الجديد كتاب إلهام المتكلف يقول بصراحته : ظهر له - أي لموسى - ملاك الرب في برية جبل سينا في لهيب نار عليقة ( ا ع 7 ، 30 - 35 ) ، وطابقه مع ( خر 3 ، 2 - 8 ) . ( وأما ثانيا ) فإن التوراة على ما بها لم تقل إن موسى كان حينئذ في الجبل ، بل إنما قالت : وموسى كان يرعى غنم ( يثرو ) ، فساق الغنم وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب وظهر له ملاك الرب بلهبة نار إلى آخره ، ومن المعلوم أن السائر من مكان بعيد يقال له : إنه جاء إلى الجبل إذا صار قريبا منه وعند سفحه وأودية سيله . والقرآن يصرح في سورة القصص 29 و 30 بأن الواقعة كانت بجانب الطور من شاطئ الوادي الأيمن . ولو أن توراة المتكلف تقول إن موسى إذ ذاك كان في الجبل لما صحت بلفظها المعارضة ، وذلك لأجل ما هو المعهود من توسعها الفاحش ، فقد ذكرت أن بني إسرائيل نزلوا في جبل هور ( عد 33 ، 37 ) مع أنها تقول في هذا المنزل إن الله أمر موسى أن يصعد بهارون والعازرا إلى جبل هور فصعدوا إلى جبل هور أمام عين كل جماعة ، ثم انحدر موسى والعازرا من الجبل ، انظر ( عد 20 ، 22 - 29 ) . وهذا كالصريح في أن نزول بني إسرائيل هناك لم يكن في الجبل ، وتقول أيضا الرب إلهنا كلمنا في حوريب قائلا : كفاكم قعود في هذا الجبل ( تث 1 ، 6 ) مع أنها تذكر أن نزول بني إسرائيل كان في برية سينا مقابل الجبل ، وكان ارتحالهم من تلك البرية أيضا ، انظر ( خر 19 ، 2 وعد 10 ، 12 ، و 33 ، 15 و 16 ) ، وتقول أيضا : عن حكاية خطاب موسى لبني إسرائيل في اليوم الذي وقفت فيه أمام الرب إلهك في حوريب ، مع أنها تقول : فتقدمتم ووقفتم في أسفل الجبل ( تث 4 ، 10 - 12 ) ، وفيها من هذا النحو من التوسع شئ كثير . ولو أن توراة المتكلف أيضا تصرح وتقول : إن موسى عليه السلام كان حينئذ على قنة الجبل لما كان ذلك ضائرا بأي تاريخ يعارضها فضلا عن القرآن