الشيخ محمد جواد البلاغي
155
الهدى إلى دين المصطفى
إبراهيم ، وتلا عليهم الآيات المصرحة بذلك ، فلو كان في ذلك خدشة لصالوا على دعوته بذلك وجعلوه برهانا على تكذيبه في دعوته الثقيلة على أهوائهم ، ولم يلتجئوا إلى المكابرة بنسبة الجنون إلى قدسه مع أنهم كانوا يعاملونه من حيث الكمالات معاملتهم لأكمل البشر وأعقلهم ( فإن قلت ) : إنهم عرب خالون من المعارف ، فتزوج فيهم مثل هذه الدعوى ( قلت ) : إن كل من له إلمام بفلسفة القبائل ومعرفة أحوال العرب يعلم أنه لهم المعرفة التامة في تاريخ قديمهم وآثار آبائهم وأسباب شرفهم ، بل كان ذلك من أهم معارفهم عندهم الرائجة بينهم . ولا تقل : إن روج ذلك سهل بين الإسماعيليين لأنه يتعلق بمجدهم ، وذلك لأن القحطانيين لو وجدوا أدنى سبيل لمنعه لمنعوه ولم يتركوا الإسماعيليين يفخرون عليهم بذلك ، فإنهم من قديم الدهر وحديثه لا يزالون يفاخرون الإسماعيليين وينافرونهم . ومن ذلك تعلم أن تسليم القحطانيين لهذه الحقيقة برهان كاف على أنها لا تختلج فيها الأوهام إلا إذا أقحمتها العصبية وقلة المبالاة . ولئن علقت نفسك بإهمال التوراة الرائجة لهذه الحقيقة ، ولم يزح ما قدمناه شكوك شبهاتك ، فلا تحتفل بإهمال التوراة ، فإن العهد الجديد يشهد بأنها قد أهملت أهم تاريخ إبراهيم وألزم شؤونه بالذكر فيما هي بصدده ، وهو بدء الدعوة وظهور الله له في أرض الكلدانيين فيما بين النهرين ، وأمره له بالهجرة من وطنه . فقد جاء في أعمال الرسل كتاب إلهام المسيحيين عن استفانوس المذكور أنه مملوء من الإيمان والروح القدس والقوة بحيث يصنع عجائب وآيات عظيمة في الشعب ( 10 ع 6 ، 5 - 9 ) أنه قال : ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو فيما بين النهرين قبل ما سكن في حاران وقال له : اخرج من أرضك ومن عشيرتك وهلم إلى الأرض التي أريك ، فحينئذ خرج من أرض الكلدانيين وسكن في حاران ( 1 ع 7 ، 2 - 5 ) .