الشيخ محمد جواد البلاغي

156

الهدى إلى دين المصطفى

ومع ذلك فإن التوراة لم تذكر أن الله دعى إبراهيم فيما بين النهرين للمهاجرة ، وإنما ذكرت أن تارح أخذ ابرام ابنه ولوطا وساراى كنته فخرجوا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك ومات فيها تارح ( 11 ، 31 و 32 ) . ثم قالت بعد ذلك : وقال الرب لإبراهيم : اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك ، فذهب ابرام كما قال له الرب وذهب معه لوط ، وكان ابرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران فأخذ ابرام ساراي امرأته ولوطا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران ( تك 12 ، 1 - 6 ) ، وهي صريحة في أن ما تذكره من دعوة الله لإبراهيم كان في حاران . وحينئذ فمقتضى العهد الجديد أن التوراة الرائجة لا تخلو من أحد أمرين أما أنها حرفت الواقعة الواحدة . والدعوة التي كانت في أرض الكلدانيين فجعلتها واقعة في حاران وأما أنها أهملت ذكر الدعوة التي وقعت أولا في أرض الكلدانيين مع أنها ألزم بالذكر ، وزادت على ذلك بأن مسخت الحقيقة ونسبت الهجرة إلى تصرف تارح ، ومع هذا لا يصح للنصراني أن يتشبث بهذه التوراة على إنكار حقيقة إذا لم تفز بذكرها حتى لو فرضنا سلامتها من الخلل من غير هذه الجهة . والمتعرب أيضا لج في إنكار مجيئ إسماعيل إلى مكة وأنكر على سائل قوله في أول مقالته في بلاد العرب وتهامة أن إسماعيل بن إبراهيم توطنها فقال ( قذ ) ص 7 ليس هذا بثبت لأن في فلسطين موضعا يسمى عربة أيضا ، وبعد ، فإن التوراة قد عينت موضع سكنى إسماعيل وهو في غير بلاد العرب ( تك 21 ، 14 ، و 25 ، 12 - 18 ) . ثم قال أيضا ( ذ ) ص 10 و 11 ما حاصله إن قول العرب إن إسماعيل سكن مكة مرود بأن التوراة التي لا نعلم بوجود هذا الشخص إلا منها تقول : إنه لما طرد من بيت أبيه سكن في برية فاران وهي ببرية سينا بين مصر وبلاد ثمود ، وتقول في موضع آخر : إنه نزل أمام إخوته ، وهؤلاء كانوا بأرض كنعان من الشام ، ولم يكن أمامهم مما يلي جزيرة العرب سوى بلاد ثمود ، وتقول في